plage blanche
مرحبا بك عزيزي الزائر المرجوا منك ان تعرف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ان لم يكن لك حساب فإن إدارة منتدى الشاطئ الابيض تتشرف بدعوتك لإنشائه

plage blanche

الشاطئ الأبيض
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
GHASSAN KANAFANI
عضو مشارك
عضو مشارك
avatar

تاريخ التسجيل : 13/06/2010
عدد المساهمات : 53
نقاط : 15356

مُساهمةموضوع: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الأحد 13 يونيو 2010, 20:49

في الذكرى السبعين لميلاد الروائي والمناضل غسان كنفاني تنشر <السفير> مقتطفات من كتابه <ثورة 36 1939 في فلسطين> لا تحية للكاتب الراحل فحسب ولكن لأن رؤيته لثورة 1936 لا تزال تندرج في سجالنا السياسي الراهن، نضيف ان الدراسة تؤكد ان الموضوع الفلسطيني الذي غلب على اعمال كنفاني الروائي مبني لا على الوجدان العميق فقط ولكن ايضاً على تقميش دقيق وتحليل تاريخي ومعرفة وافية.
يتسابق الكثير من المؤرخين في اعتبار حادث معين وقع في مكان معين هو السبب في انفجار ثورة 1936: يعتقد يهودا بويير ان الحادث الذي <يعتبر عموما بداية اضطرابات 1936> حدث في 19 نيسان 1936 حين <هاجمت حشود من العرب في يافا المارين اليهود>. ويعتبر عيسى السفري وصالح مسعود ابو يصير وصبحي ياسين ان الشرارة الاولى انما كانت قيام عصابة عربية مجهولة (يقول صبحي ياسين انها كانت عصابة قسامية منها فرحان السعدي ومحمود ديراوي) بنصب كمين لسيارات كانت تعبر بين عنبتا وسجن نور شمس، بلغ عددها ,15 فسلبت الركاب اليهود والعرب على السواء أموالهم، وألقى احد الافراد الثلاثة من العصابة خطبة موجزة في الركاب العرب الذين كانوا اكثرية الركاب، كما يقول السفري، تضمنت القول بأن الثورة قد بدأت و<اننا نأخذ أموالكم لكي نستطيع ان نحارب العدو وندافع عنكم>. ويرى الدكتور عبد الوهاب الكيالي ان الشرارة الاولى انفجرت قبل ذلك، اي في شباط ,1936 حين تألفت حامية من العمال العرب طوقت احدى المدارس التي كان مقاولون من اليهود يقومون ببنائها بواسطة ايد عاملة يهودية فقط في يافا. إلا ان جميع المصادر تعتبر عن حق ان الانتفاضة القسامية التي فجرها الشيخ عز الدين القسام كانت هي البداية الحقيقية لثورة .1936 على ان تقرير اللجنة الملكية البريطانية (اللورد بيل)، وهو التقرير الذي يعتبره يهودا بويير من انضج ما كتب عن المسألة الفلسطينية حتى الآن، يقفز فوق هذه التعابير المباشرة عن الانفجار، ويرد الاسباب في انفجار الثورة الى سببين رئيسيين هما: رغبة العرب في نيل الاستقلال القومي، وكرههم لإنشاء الوطن القومي اليهودي وتخوفهم منه. وهذان السببان، كما نلاحظ بسهولة، هما في الواقع سبب واحد، وتبدو العبارات التي صيغ بها فضفاضة ولا تقود الى اي معنى واضح. ولكن اللورد بيل يضع ما يسميه ب<عوامل ثانوية> ساعدت على نشوب <الاضطرابات> وهي: 1 انتشار الروح القومية العربية خارج فلسطين. 2 ازدياد هجرة اليهود منذ سنة 3 .1933 الفرصة المتاحة لليهود بالتأثير على الرأي العام في بريطانيا. 4 عدم ثقة العرب في اخلاص حكومة بريطانيا. 5 فزع العرب من استمرار شراء الأراضي من قبل اليهود. 6 عدم وضوح المقاصد النهائية التي ترمي لها الدولة المنتدبة. أما قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية آنذاك، فإن فهمها لأسباب الثورة يمكن استنباطه من الشعارات الثلاثة الاساسية التي كانت تتوج بها مجموع مطالبها، وهي: 1 الوقف الفوري للهجرة اليهودية. 2 حظر نقل ملكية الأراضي العربية الى اليهود. 3 إقامة حكومة ديموقراطية يكون النصيب الاكبر فيها للعرب وفقا لغالبيتهم العددية. على ان هذه الشعارات، بالصيغ الفضفاضة التي كان يجري من خلالها تردادها، ظلت غير قادرة على التعبير عن حقيقة الموقف، والواقع انها كرست الى حد بعيد هيمنة القيادة الاقطاعية على الحركة الوطنية.
ان الاسباب الحقيقية للثورة، في الواقع، هي وصول حدة التناقض في عملية انتقال المجتمع الفلسطيني من الاقتصاد الزراعي الاقطاعي الاكليريكي، العربي الى الاقتصاد الصناعي البورجوازي اليهودي (الغربي) الى ذروتها، كما رأينا في الصفحات السابقة. ان عملية تعميق حالة الاستعمار وتجذيرها، ونقلها من حالة الانتداب البريطاني الى حالة الاستعمار الاسكاني الصهيوني، وصلت الى ذروتها، كما رأينا، في منتصف الثلاثينيات، والواقع ان قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية قد ارغمت على تبني شكل الكفاح المسلح لانه لم يعد بوسعها ان تظل متربعة على سدة هذه القيادة في وقت وصل فيه التناقض الى شكل صدامي حاسم. وقد لعبت عوامل متناقضة ومختلفة في دفع القيادة الفلسطينية آنذاك الى تبني شكل الكفاح المسلح: اولا: حركة عز الدين القسام. ثانيا: سلسلة الإخفاقات التي منيت بها هذه القيادة طيلة فترة تكلسها فوق رأس الحركة الجماهيرية، حتى فيما يتعلق بالمطالب الجزئية الصغيرة التي لا يتردد المستعمرون عادة في تلبيتها لغرض امتصاص النقمة (وقد ادرك البريطانيون متأخرين هذه الامكانية التي خفف من إلحاحها بالنسبة لهم وجود العميل الصهيوني الأكفأ) ثالثا: العنف اليهودي (الحاميات شعار اليد العاملة اليهودية فقط الخ) مضافاً الى العنف الاستعماري (الطريقة التي قمعت فيها انتفاضة 1929).
القسام
ان الحديث عن ثورة 36 1939 يستلزم وقفة خاصة عند الشيخ عز الدين القسام، فبالرغم من الكثير الذي كتب عنه إلا أنه بوسعنا ان نقول بأن هذه الشخصية الفريدة ما تزال، وربما ستظل، شخصية مجهولة في الحقيقة. ان معظم الذي كتب عنه قد مسه من الخارج فحسب. وبسبب هذه السطحية في دراسة شخصيته لم يتردد عدد من المؤرخين اليهود في اعتباره <درويشاً متعصباً>، فيما اهمله الكثيرون من المؤرخين الغربيين، وفي الواقع يبدو ان الإخفاق في إدراك العلاقة الجدلية بين الدين والنوازع الوطنية في العالم المتخلف هو المسؤول عن التقليل من اهمية الحركة القسامية. ولكن مهما كان الرأي في افكار القسام، فمما لا ريب فيه ان حركته (12/11/1935
19/11/1935) كانت نقطة انعطاف لعبت دوراً مهماً في تقرير شكل متقدم من اشكال النضال، إذ انها وضعت زعامات الحركة الوطنية الفلسطينية التقليدية، التي كانت قد انشقت على نفسها وتشتت وتشرذمت، امام امتحان لا يمكن الفرار منه. ولعل شخصية القسام تشكل في حد ذاتها نقطة التقاء رمزية لمجموعة هائلة من العوامل المتداخلة التي تشكل في مجموعها ما صار يسمى تبسيطا بالقضية الفلسطينية: ف<سوريته> (هو من مواليد جبلة، قضاء اللاذقية، 1871) تمثيل للعامل القومي العربي في المعركة. و<أزهريته> (فقد درس في الازهر) تمثيل للعامل الديني الوطني الذي كان يمثله الازهر في بداية القرن. و<نضاليته> (فقد اشترك في ثورة جبل حوران السورية ضد الفرنسيين من 1919 1920 وحكم بالاعدام) هي تمثيل لوحدة النضال العربي.
وقد جاء القسام مع الشيخ محمد الحنفي (المصري) والشيخ علي الحاج عبيد الى حيفا في ,1921 وبدأ لتوه العمل في انشاء حلقات سرية. ان ما يلفت النظر في النشاط القسامي عقله التنظيمي المتقدم، وصبره الحديدي: فقد رفض عام 1929 الاندفاع في الاعلان عن وجوده المسلح، وبالرغم من ان هذا الرفض قد ادى الى انشقاق في تنظيمه، الا انه استطاع ان يظل متماسكا وسريا. ويقول احد القساميين المعروفين إن القسام برمج ثورته في اربع مراحل: الاعداد النفسي ونشر روح الثورة، انشاء حلقات سرية، تشكيل لجان لجمع التبرعات ولجان لشراء السلاح، ولجان تدريب، ولجان أمن وتجسس، ولجان دعاية وإعلام، ولجان اتصالات سياسية. ثم الثورة المسلحة.
ان معظم العارفين بالقسام يقولون إن خروجه الى تلال يعبد مع 25 من رجاله ليل 12/11/1935 لم تكن غايته اعلان الثورة المسلحة، ولكن نشر الدعوة للثورة، إلا أن اشتباكا عرضيا ادى الى افتضاح امر وجوده هناك، وبالرغم من استبساله مع رجاله فقد قضت قوة بريطانية على مجموعته بسهولة، ويبدو ان الشيخ القسام، حين شعر بأنه لم يعد بوسعه توسيع الثورة مع رفاقه، رفع شعاره المشهور: <موتوا شهداء>. ومن حق القسام ان نفهم شعاره هذا فهماً <غيفارياً> اذا جاز التعبير، ولكن على المستوى الوطني العادي، ان سلوك القسام من خلال الشهادات القليلة التي نملكها عنه تدل على انه كان يدرك اهمية دوره كمفجر لبؤرة ثورية امامية. وما لبث هذا الشعار ان اثمر على التو: فقد شيعت الجماهير جثمان شهيدها مشياً على الأقدام الى قرية ياجور مسافة 10 كيلو مترات، على ان اهم ما في الامر كان افتضاح القيادات التقليدية امام التحدي الذي مثله الشيخ القسام. وقد شعر هؤلاء القادة بهذا التحدي بنفس المقدار الذي شعر فيه الانتداب البريطاني. ويقول احد القساميين انه قبل ان يصعد القسام الى الجبال بشهور قليلة ارسل الى الحاج امين الحسيني بواسطة الشيخ موسى العزراوي يطلب منه التنسيق لاعلان الثورة في جميع انحاء البلاد، الا ان الحسيني رفض، بحجة ان الظروف لم تنضج بعد. وعندما استشهد القسام لم يسر في جنازته إلا الفقراء، واتخذ الزعماء موقفاً فاتراً ما لبثوا ان ادركوا خطأه، فقد شكل استشهاد القسام حدثاً بارزاً لم يكن بوسعهم تجاوزه بالتجاهل، والدليل على ذلك ان ممثلي الاحزاب الفلسطينية الخمسة قاموا بزيارة المندوب السامي البريطاني بعد ستة ايام فقط من استشهاد القسام، وقدموا له مذكرة لعلها من اندر المذكرات صفاقة، فقد اعترفوا ب<انهم إذا لم يتلقوا عن مذكراتهم هذه جوابا يمكن اعتباره بصورة عامة مرضيا، فإنهم سيفقدون كل ما يملكونه من نفوذ على اتباعهم، وعندئذ تسود الآراء المتطرفة غير المسؤولة، وتتدهور الحالة سريعا>. فمن الواضح انهم كانوا يريدون توظيف ظاهرة القسام لتحقيق خطوة الى الوراء. على ان الشهيد القسام كان قد فوت عليهم، بالشكل النضالي الذي قرره، فرصة التراجع، وهذا في الواقع ما يفسر اختلاف موقف الزعماء الفلسطينيين من استشهاد الشيخ القسام فور حدوثه عن موقفهم في الاحتفال الاربعيني باستشهاده، فقد اكتشفوا خلال هذه الايام الاربعين انهم إذا لم يحاولوا ركوب الموجة الشامخة التي فجرها القسام، فإنها ستطويهم، ولذلك قفزوا من الفتور في جنازته، الى المهرجانات والخطابات في اليوم الاربعين لاستشهاده.
ويبدو ان الحاج امين الحسيني سيظل فيما بعد شاعراً بهذه الثغرة، وحتى بعد اكثر من عشرين سنة ستظل مجلة <فلسطين> الناطقة بلسان الهيئة العربية العليا، تحاول الإيحاء بأن الحركة القسامية انما كانت جزءا من نشاط الحركة التي كان يقودها المفتي، وأن هذا الأخير والقسام، كانا <اصدقاء شخصيين>.
أما البريطانيون فقد رووا قصة القسام في تقريرهم السنوي الذي جرى تقديمه الى لجنة الانتدابات في جنيف عن وقائع 1935 كما يلي: <انتشرت في الجو إشاعات عن عصابة للإرهاب تألفت بوحي من عوامل سياسية دينية، وفي يوم 7 تشرين الثاني 1935 كان جاويش ونفر من البوليس يقتفيان اثر سرقة في هضاب قضاء الناصرة فأطلق مجهولون النار فقتلوا الشاويش... وسرعان ما ادى هذا الحادث الى اكتشاف عصابة كانت في ذلك الجوار تحت قيادة عز الدين القسام، وهو لاجئ سياسي من سوريا، وهو ذو مكانة ليست بالقليلة كرجل من رجال الدين، وقد اشتبه به اشتباها قويا قبل ذلك ببضع سنوات، وقيل ان له ضلعا في أعمال إرهابية. ولقد حضر جنازة الشيخ القسام في حيفا جمع غفير جداً، وبالرغم من الجهود التي بذلها كبار المسلمين في توطيد النظام أثناء الجنازة إلا أنه وقعت مظاهرات وقذف أحجار، وبعثت وفاة القسام موجة قوية من الشعور في الدوائر السياسية وغيرها في البلاد، واتفقت آراء الصحف العربية على تسميته بالشهيد فيما كتبته عنه من المقالات...>.
وقد شعر البريطانيون بدورهم بالتحدي الذي مثله استشهاد القسام، وحاولوا بدورهم شد عقارب الساعة الى الوراء، ولذلك كان رأي المندوب السامي البريطاني الذي كتبه لوزير المستعمرات في تلك الفترة بأنه ما لم تلبَّ مطالب الزعماء العرب <فإنهم سيفقدون ما يملكونه من نفوذ وتختفي بالتالي إمكانات تهدئة الحالة الحاضرة بالوسائل المعتدلة التي اقترحها>. ولكن إعادة عقارب الزمن الى الوراء كانت مستحيلة، فحركة القسام كانت تعبيرا في الواقع عن الشكل الطبيعي القادر على معالجة ازدياد التناقض وحسمه، وسرعان ما انعكست في عدد من اللجان والتجمعات، وصار يتعين على القيادة التقليدية أن تختار بين الوقوف في وجه ذلك التصاعد في إرادة القتال لدى الجماهير، أو في امتصاص هذه الرغبة والتكلس فوقها. وبالرغم من أن البريطانيين تحركوا بسرعة، فعرضوا فكرة إقامة مجلس تشريعي وفكرة الحد من بيع الأراضي إلا أن ذلك جاء متأخرا، وأسهمت الحركة الصهيونية التي بدأت في تلك الفترة تبلور إرادتها بصورة قوية في إضعاف فاعلية العرض البريطاني، ومع ذلك فإن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية لم تكن قد حسمت موقفها بعد، وكان تذبذبها بارزاً بصورة تدعو للدهشة، وحتى 2 نيسان 1936 كان ممثلو الأحزاب الفلسطينية مستعدين لتشكيل وفد للذهاب الى لندن لطرح وجهة نظرهم أمام الحكومة البريطانية. وقد انفجر الموقف قبل أن تقرر قيادة الحركة الوطنية تفجيره. فحين اندلعت شرارة شباط 1936 في يافا كان زعماء الحركة الوطنية الفلسطينية يعتقدون أنه ما زال بوسعهم أن يكسبوا من بريطانيا مطالب جزئية عن طريق المفاوضات. ولكن الأحداث التالية فاجأتهم: إن جميع المقربين من أحداث نيسان 1936 يعترفون بأن اندفاع العنف، والعصيان المدني، كان عفويا، وإذا استثنينا الأعمال التي حركها بقايا القساميين، فإن كل ما حدث كان تعبيرا عفويا عن المستوى الحرج الذي وصله التناقض. وحتى عند إعلان الإضراب العام في 19 نيسان 1936 كانت زعامة الحركة الوطنية متخلفة عنه، ولكنها سرعان ما تعلقت بالقطار قبل أن يفوتها، ونجحت للأسباب التي ذكرناها في تحليل الوضع الاجتماعي السياسي في فلسطين آنذاك بالسيطرة على الحركة الوطنية.
في الريف اتخذت الثورة طابع العصيان المدني والعصيان المسلح، وتقاطر المئات من المسلحين للالتحاق بالعصابات التي أخذت تنتشر في الجبال، وكان الامتناع عن دفع الضرائب قد أقر في مؤتمر 7 أيار 1936 الذي عقد في كلية روضة المعارف الوطنية في القدس وحضره حوالى 150 مندوبا يمثلون عرب فلسطين، وأن استعراضا بسيطاً لأسماء المؤتمرين كما أوردها عيسى السفري يدل بأنه قد تم في هذا المؤتمر بالذات تكريس قيادة الحركة الجماهيرية لحلف واه بين الزعامات الإقطاعية الدينية وبين البورجوازية التجارية المدينية وبين عدد محدود من المثقفين، وكان القرار الذي اتخذ في هذا المؤتمر موجزاً، ولكنه يعبر تعبيراً واضحاً عن المدى الذي كانت قيادة من هذا النوع قادرة على الذهاب إليه: <قرر المؤتمر بالإجماع إعلان الامتناع عن دفع الضرائب اعتباراً من يوم 15 أيار (1936) الحالي، إذا لم تغير الحكومة البريطانية سياستها تغييراً أساسياً تظهر بوادره بوقف الهجرة اليهودية>.
لقد وجه البريطانيون ضربتهم، في الرد على العصيان المدني والعصيان المسلح، نحو مفصلين: الأول الكادر التنظيمي الذي كان بالإجمال أكثر ثورية من القيادة، والثاني الجماهير الفقيرة المشتركة في الثورة والتي لم تكن تتمتع في الحقيقة إلا بحماية سلاحها ذاته.
تصفية الثورة
وقد نجح البريطانيون في تحقيق ذلك من خلال وسيلتين: الأولى هي ضرب فقراء الفلاحين الثائرين بعنف لا مثيل له، والثانية استخدام نفوذهم الواسع لدى الأنظمة العربية، التي لعبت دوراً كبيراً في تصفية الثورة: من الجهة الأولى لعب قانون الطوارئ البريطاني دوره بفعالية، ويورد السفري مجموعة أحكام صدرت آنذاك للتدليل على عسف هذا القانون: <ست سنوات حبس لحيازة مسدس 12 سنة لحيازة قنبلة خمس سنوات مع الأشغال الشاقة لحيازة رصاصة 8 أشهر بتهمة تضليل فريق من الجند عن الطريق تسع سنوات بتهمة حيازة مفرقعات 5 سنوات لمحاولة شراء ذخيرة من الجنود أسبوعان حبس لحيازة عصا>... إلخ. ووفق تقدير بريطاني قدم الى عصبة الأمم فإن عدد القتلى العرب خلال ثورة 1936 يبلغ حوالى الألف، هذا عدا عن الجرحى والمفقودين والمعتقلين. واستخدم البريطانيون سياسة نسف البيوت على نطاق واسع، فبالإضافة الى عملية نسف وهدم جزء من مدينة يافا (18 حزيران 1936) يقدر عدد البيوت التي نسفت فيها ب220 وعدد الذين شردوا نتيجة النسف ب6 آلاف نسمة، نقول، بالإضافة الى ذلك جرى هدم مئة تخشيبة في الجبالية و300 في أبو كبير و350 في الشيخ مراد و75 في عرب الداودي، ومن الواضح أن سكان الأحياء التي هدمت في يافا، والتخشيبات في ضواحيها هم من فقراء الفلاحين الذين هجروا الريف الى المدن، أما في القرى فقد كان عدد السفري حوالى 143 بيتا جرى نسفها لأسباب تتعلق مباشرة بالثورة. وهذه البيوت تخص فقراء الفلاحين وبعض الفلاحين المتوسطين وعدداً يسيراً جداً من العائلات الإقطاعية. ومن الجهة الثانية: بدأ الأمير عبد الله أمير شرق الأردن، ونوري السعيد، نشاطهما للتوسط لدى الهيئة العربية العليا، إلا أن هذه الوساطات لم تفلح بالرغم من استعداد الزعامات لتلبيتها، ولكن الحركة الجماهيرية كانت حتى ذلك الوقت (آب 1936) غير قابلة للتدجين بعد.
إن مسألتين هامتين في هذه المرحلة من الثورة، ينبغي التوقف عندهما: الاولى: ان <العرب اتصلوا باليهود مقترحين التوصل معهم الى نوع من الاتفاق على أساس قطع العلاقات مع بريطانيا قطعا تاما، ولكن اليهود رفضوا ذلك على الفور لأنهم يعتبرون علاقاتهم ببريطانيا مسألة جوهرية>. وقد ترافق ذلك مع ارتفاع عدد اليهود الذين يخدمون في البوليس في فلسطين من 365 عام 1935 الى 682 عام ,1936 وفي أواخر ذلك العام اذنت الحكومة بتجنيد 1240 يهودياً كبوليس اضافي مسلح ببنادق حربية، وارتفع العدد بعد شهر الى 2863 مجنداً. ولعب ضباط بريطانيون دوراً بارزاً في قيادة مجموعات يهودية للهجوم على قرى عربية. والثانية: ان وجود زعامة الثورة خارج فلسطين (في دمشق) قد جعل دور القيادات المحلية المنحدرة من أصل فلاحي فقير في معظمها دوراً اكبر مما كان في الحقبة المنصرمة، وكان هؤلاء يرتبطون مع الفلاحين ارتباطاً وثيقاً، وذلك يفسر، الى حد بعيد، المدى الأبعد الذي كان بوسع الثورة ان تصله.
إن العسف البريطاني الذي تصاعد بصورة غير متوقعة، وتصاعد عمليات المداهمة والاعتقال الجماعي والإعدام طوال 1937 و1938 انهكت الثورة، ولكنها لم تضع حدا لها، وقد أدرك البريطانيون ان الثورة هي في جوهرها ومادتها وقياداتها المحلية ثورة فلاحية، وحين حاولت، نتيجة ذلك، ان تمايز في تعاملها مع المدينيين ادت الروح الثورية المهيمنة في فلسطين بأجمعها الى تعميم لباس الرأس الفلاحي (الكوفية والعقال) في المدن، كي لا يخضع الريفي النازل الى المدينة لعسف السلطة، وبعد ذلك منع الجميع من حمل هوياتهم الشخصية كي لا تكتشف السلطة الفلاح من المديني.
الهزيمة
وقد استمر الأمر على هذا المنوال حتى الشهر الذي نشبت فيه الحرب العالمية الثانية (ايلول 1939) تكبد خلالها الفلسطينيون العرب خسائر لم يكن من الممكن تعويضها: كانت القيادة، بالإضافة لكل روح المساومة التي تعيشها، موجودة خارج البلاد، أما القيادات المحلية الناشئة فقد اخذت تسقط واحدة وراء الأخرى في ميادين القتال، وكان العسف البريطاني قد وصل الى ذروته، وبدأ العنف الصهيوني يصمد باطراد منذ اواسط ,1937 ولا شك ان التركيز البريطاني والإصرار الذي رافقه في الساحة الفلسطينية قد انهك الثوار الذين باتوا، مع تراوح قياداتهم، غير عارفين على وجه الدقة من كانوا يحاربون ولماذا؟ فتارة كانت القيادة تتحدث عن الصداقة التقليدية والمصالح المشتركة، مع بريطانيا، وتارة تصل الى حد قبول منح إدارة ذاتية لليهود في المناطق التي يتواجدون فيها، ولا شك ان تذبذب القيادة ورخاوتها وعدم قدرتها على تحديد هدف واضح للقتال قد أسهم في انهاك الثورة. ولكن ذلك يجب ألا يدفعنا الى إهمال العامل الموضوعي. فقد استخدم البريطانيون فرقتين عسكريتين وعدداً من اسراب الطائرات والبوليس وقوة حرس الحدود الأردني بالإضافة للقوة اليهودية المساعدة المؤلفة من 6 آلاف، ورموا ذلك كله للهيمنة على الموقف، (وكانت لجنة بيل قد اعترفت ان نفقات الأمن في فلسطين ارتفعت من 862 الف جنيه لعام 1935 الى 223.000 جنيه عام 1936). ان حملة الارهاب هذه، وخصوصا المحاولات التي بذلت لقطع الصلة بين الثوار وبين القرى، أدت الى إنهاك الثورة. وجاء استشهاد عبد الرحيم الحاج محمد في آذار من 1939 بمثابة ضربة قاصمة للثورة اذ فقدت واحداً من اكثر القادة الشعبيين الثوريين شجاعة وحكمة واستقامة، وأخذت القيادات المحلية، بعد ذلك، تنهار وتغادر ميادين القتال، ولا شك ان التقارب الفرنسي البريطاني عشية الحرب الثانية قد لعب دوره في محاصرة الثوار.
فقد استسلم عارف عبد الرزاق مع بعض اتباعه للفرنسيين بعد ان انهكه التشرد والجوع، وألقت القوات الأردنية القبض على يوسف ابو دره وسلمته للبريطانيين فأعدموه. وأدى الارهاب في القرى الى خشية من دعم الثوار ومدهم بالذخائر والطعام، ولا شك ان انعدام الحد الأدنى من التنظيم قد حال دون القدرة على تجاوز هذه العراقيل .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 16343

مُساهمةموضوع: رد: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الإثنين 14 يونيو 2010, 12:32

شكرا اخي غسان كنفاني
وانا شخصيا لا اعرف عنه اي شيء الا القليل فشكرا على المعلومات القيمة والتاريخية
المفيدة
وننتظر المزيد cheers cheers cheers cheers
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 17004

مُساهمةموضوع: رد: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الإثنين 14 يونيو 2010, 19:13

السلام عليكم..
شكرا اخي غسان على العمل والموضوع القيم..
وشكرا على الثورة الفلاحية هذه..فلاشك انها انتجت الكثير من الثورات ..وقدمت الكثير من التضحيات الجليلة..
اقتباس :
نضيف ان الدراسة تؤكد ان الموضوع الفلسطيني الذي غلب على اعمال كنفاني الروائي مبني لا على الوجدان العميق
فقط ولكن ايضاً على تقميش دقيق وتحليل تاريخي ومعرفة وافية.
والموضوع يحتاج ايضا الى القراءة المتأنية لمن لم يسبق له ان قرأ عن هذه الثورة ..وعن افكارغسان كنفاني وتسجيبلها للحدث

فشكرا اخي غسان ..ودام لنا الغساسنة
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 17004

مُساهمةموضوع: رد: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الإثنين 14 يونيو 2010, 19:17

السلام عليكم..
حبذا لااخي لو استمررت في نفس الموضوع كردود ودون النتقال الى موضوع آخر في نفس الخانة ومحاولة
نقل الدراسة التي اوردتها السفيرفهي مفيدة ..وقد استمنعت فعلا بالموضوع..
وتحياتي
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
GHASSAN KANAFANI
عضو مشارك
عضو مشارك
avatar

تاريخ التسجيل : 13/06/2010
عدد المساهمات : 53
نقاط : 15356

مُساهمةموضوع: حاضر سيدي........   الثلاثاء 15 يونيو 2010, 08:02

مشكور اخي بن صالح؛ لي عودة لثورة فلسطين ولابطالها;ترقبوا المزيد إنشاء الله.....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 17004

مُساهمةموضوع: رد: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الثلاثاء 15 يونيو 2010, 18:22

السلام عليكم..
شكرا اخي غسان ..
ونحن في انتظار الجديد..
وتحياتي
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
GHASSAN KANAFANI
عضو مشارك
عضو مشارك
avatar

تاريخ التسجيل : 13/06/2010
عدد المساهمات : 53
نقاط : 15356

مُساهمةموضوع: ثورة 1936 حسب كتاب الدكتور غسان الخازن."الثورة العربية الكبرى لعام، 1936 في فلسطين" ....   الأربعاء 16 يونيو 2010, 18:59

سلام الله عليكم................


"الثورة العربية الكبرى لعام، 1936 في فلسطين"(•) هذا الكتاب هو في الأصل رسالة جامعية قدمها غسان الخازن قبل أكثر من عشرين عاماً لنيل درجة الدكتوراه، وأشرف عليها آنذاك المفكر والمستشرق الفرنسي الراحل مكسيم رودنسون. وكما يعترف الباحث نفسه، فإن ظروف الحياة الصعبة، في بلد كان يعاني من مآسي الحرب الأهلية، قد حالت دون تمكينه من الاشتغال على رسالته وتهيئتها للنشر ضمن كتاب، وذلك الى أن اطّلع عليها اخيراً المؤرخ الفرنسي المعروف هنري لورانس وحثّه على نشرها.

وفي تقديمه لكتاب الخازن، يعتبر لورانس أن تاريخ فلسطين في عهد الانتداب البريطاني"بقي مجهولاً لفترة طويلة"، وانحصر الاهتمام به بـ "الكتابات التاريخية الأنكلو- سكسونية والإسرائيلية". ويرى أن كتاب الخازن يمثّل أفضل ما كُتب عن ثورة 1936، حيث استند مؤلفه إلى مصادر عربية تعود إلى ذلك الزمن، وسعى إلى تفهم الانقسامات العمودية والأفقية التي كانت تمزق نسيج المجتمع الفلسطيني التقليدي. وبذلك قدّم مساهمة مهمة في حقل دراسة تاريخ فلسطين الانتدابية، ووفّر أداة فعّالة لفهم الحركات الاجتماعية الكبرى التي شاركت في الثورة.

وأنا إذ أتفق مع هنري لورانس في ما يتعلق بأهمية المساهمة التي قدمها الخازن في حقل دراسة ثورة 1936، من زاوية مقدماتها وقواها المحرّكة ونتائجها، وفي ما يتعلق بفرادة مقاربته للمجتمع العربي الفلسطيني، في عهد الانتداب، بالاستناد إلى مفهوم العصبية، إلا أنني أختلف معه بخصوص مساهمة المؤرخين الفلسطينيين في حقل دراسة فلسطين في عهد الانتداب البريطاني، حيث ظهرت منذ النصف الثاني من ستينات القرن العشرين وطوال السبعينات والثمانينات عشرات الدراسات والأبحاث التي غطت جوانب عديدة من تاريخ تلك المرحلة.

يتكوّن كتاب الخازن، بالإضافة إلى تقديم لورانس وتمهيد المؤلّف، من ستة فصول وخاتمة وخلاصة. يتطرق في الفصل الأول منها إلى معطيات فلسطين السكانية من بداية الانتداب البريطاني حتى عام 1936؛ وفي الثاني إلى التحوّلات الاقتصادية التي شهدتها فلسطين من نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1936؛ وفي الثالث إلى البنى الاجتماعية في فلسطين عشية الثورة؛ وفي الرابع إلى فلسطين من عام 1917 وحتى عشية الثورة؛ وفي الخامس إلى الأحداث التي شهدتها فلسطين منذ تموز 1935 وحتى نيسان 1396؛ وفي السادس والأخير إلى الأحداث التي وقعت من نيسان وحتى تشرين الأول 1936.

وقد استند الكاتب إلى عدد كبير من المصادر المعروفة، التي عالجت تطور الحركة الوطنية العربية في فلسطين، مثل مؤلفات يهوشوا بوراث، وناجي علوش، وعبد الوهاب الكيالي وبيان نويهض الحوت؛ أو عالجت الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في فلسطين، مثل مؤلفات عنان العامري، وسعيد حمادة، ومحمد يونس الحسيني ونبيل أيوب بدران، بالإضافة إلى بعض التقارير التي نشرتها اللجان البريطانية، مثل تقرير اللجنة الملكية في تموز 1937 وتقرير جون سمبسون حول الهجرة واحتلال الأراضي لعام 1930. كما استند الباحث إلى بعض الدوريات، وبخاصة جريدة "فلسطين"، التي أنشأها عيسى العيسى في يافا عام 1911، لكنها توقفت عشية الحرب العالمية الأولى، ثم عاودت الصدور عام 1921، وصارت تتعاطف مع مواقف "المعارضة " بزعامة عائلة النشاشيبي.

وقد حدّد الخازن غرض البحث في كشف الطرائق التي لجأ إليها مجتمع تقليدي مثل المجتمع العربي الفلسطيني لمواجهة مشروع إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، واختار الكتابة عن ثورة 1936 باعتبارها ذروة المواجهة التي دارت على الأرض الفلسطينية. أما المنهج الذي اعتمده، لتحقيق هذا الغرض، فقد استند إلى مفهوم "العصبية"، الذي استعاره عن ابن خلدون، والذي سمح له – كما يكتب –بتلمس غلبة الانقسامات العمودية ودينامياتها الخاصة في المجتمع الفلسطيني التقليدي، دون أن يقوده ذلك إلى تجاهل الانقسامات الأفقية التي تترك انعكاسات سياسية أكيدة.

تحوّلات المجتمع الفلسطيني
بعد فرض الانتداب

يعتبر الخازن في الفصل الأول من كتابه أن ثورات المجتمع العربي الفلسطيني في عهد الانتداب قد نجمت، في الأساس، عن محاولات اليهود توسيع قاعدة استيطانهم، وبخاصة من طريق الهجرة، حيث دخل فلسطين، ما بين 1922 و1936، 237 الف يهودي، بصورة شرعية، بالإضافة إلى عدد كبير من المهاجرين غير الشرعيين، قدم معظمهم من بلدان أوروبا الشرقية ومن ألمانيا. ويتطرق في الفصل الثاني إلى التحوّلات الاقتصادية التي شهدتها فلسطين منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وحتى عام 1936، حيث شهدت الزراعة تطوّرات مهمة أفضت الى اندماجها في اقتصاد السوق وإلى انتعاش بعض الزراعات مثل الحمضيات. وظلت الزراعة هي ميدان نشاط غالبية السكان العرب، حيث كانت تشغّل ما بين 70 إلى 75 في المئة من سكان فلسطين المسلمين، وتمثّل 90 في المئة من حجم صادرات البلد. لكن الفضاء الزراعي انقسم مع الوقت إلى قطاعين: قطاع عربي تقليدي يتمتع بإنتاجية متدنية، وقطاع يهودي حديث ودينامي ويتمتع بإنتاجية عالية. ومن ناحية أخرى، شهدت الصناعة تطوراً بفضل الهجرة اليهودية، لكن غزو المنتجات الأوروبية المستوردة وتطور الصناعة اليهودية ألحقا أضراراً بالصناعات الحرفية العربية، وحالا دون نشوء بورجوازية صناعية داخل المجتمع العربي الذي بقي أسير بناه التقليدية القديمة.

العصبيات العائلية والمناطقية

ويتوقف المؤلف في الفصل الثالث أمام الانقسامات التي ميّزت هذا المجتمع التقليدي وبناه، فيشير إلى أن المجتمع الفلسطيني كان يعاني من انقسامات عمودية ناجمة عن العصبيات العائلية، حيث شهد حتى نهاية القرن التاسع عشر الصراع التقليدي بين "القيسية" و"اليمينية"، ثم صار يشهد غداة الانتداب صراعاً بين تحالفين عائليين كبيرين: الأول بزعامة عائلة الحسيني المقدسية، ومن أبرز وجوهها الحاج محمد أمين الحسيني مفتي القدس منذ 1921 ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، والثاني بزعامة عائلة النشاشيبي المقدسية أيضاً، ومن أبرز شخصياتها راغب النشاشيبي الذي شغل منصب رئيس بلدية القدس منذ 1920 وحتى 1934.

ويرى الخازن أن الصراع بين هاتين العائلتين قد طبع الحياة السياسية في فلسطين طوال عهد الانتداب، وحكم مواقف سكان المدن والبلدات والقرى الفلسطينية المختلفة. ففي الناصرة، حيث كان هناك تنافس شديد بين عائلتي الفاهوم والزعبي، تحالفت الأولى مع النشاشيبي بينما تحالفت الثانية مع الحسيني. وفي نابلس، تحالفت عائلة طوقان مع النشاشيبي وعائلة حماد مع الحسيني. وفي ظل غياب وحدة إدارية لفلسطين، قبل الانتداب، تعززت، إلى جانب العصبيات العائلية، العصبيات المناطقية. فقد بدأ ارتقاء مدينة القدس وعائلاتها منذ 1840 بعد نهاية الاحتلال المصري لبلاد الشام، الأمر الذي خلق استياءً متزايداً لدى عائلات المناطق الأخرى، وبخاصة نابلس وعكا.

غير أن مفهوم العصبية يبقى قاصراً عن الإحاطة بتناقضات المجتمع الفلسطيني من جميع جوانبها، الأمر الذي دفع الباحث إلى الاستعانة بمفهوم الطبقة، معتبراً أن العوامل الطبقية غالباً ما كانت تتداخل مع العصبيات العائلية والمناطقية وتعطي للتناقضات طابعاً أكثر تعقيداً.

ففي الريف، وبينما كان شيوخ النواحي يدعمون عائلة النشاشيبي، كان الفلاحون يساندون عائلة الحسيني. وفي المدن، كانت شرائح البورجوازية التجارية الكبيرة، وقطاعات من العرب المسيحيين، تؤيد عائلة النشاشيبي. وقد انتهجت هذه العائلة، حتى 1936، نهج الحفاظ على صداقتها مع السلطات البريطانية، لكن البريطانيين حاولوا الإبقاء على نوع من التوازن في علاقتهم مع العائلتين المتنافستين، والعمل على استثمار النزاعات التي تنشأ بينهما في مصلحتهم.أما الذين كانوا يبيعون الأراضي للمستوطنين اليهود، فكانوا ينتمون إلى معسكري النشاشيبي والحسيني على السواء.

طبقات المجتمع الفلسطيني

ويحاول الخازن أن يرسم لوحة لبنية المجتمع الفلسطيني، حيث يذكر بأن الطبقة القائدة العربية كانت تتشكّل من الوجهاء المدينيين، من ملاك الأرض الكبار أو من البورجوازية التجارية الكبيرة، الذين كانوا يتوزعون على الوجهاء الأشراف، مثل عائلة الحسيني، وعلى الوجهاء من غير الأشراف، مثل عائلة النشاشيبي؛ كما كانت هذه الطبقة تتشكّل من الوجهاء الريفيين المنحدرين من عائلات "المقاطعجية" القديمة، والذين صار بعضهم يشغل مناصب إدارية مثل منصب المختار؛ ومن زعماء العشائر، الذين نجح بعضهم في تسجيل مساحات واسعة من الأراضي بأسمائهم.

أما الطبقة البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، فقد شهدت تطوراً كبيراً بعد فرض الانتداب. وعلى الرغم من الدور المهم الذي لعبه ممثلو هذه الطبقة، وبخاصة من فئة "الشباب"، في النضال الوطني، وتوجههم إلى تشكيل الأطر التي أضفت طابعاً أكثر راديكالية على هذا النضال، إلا أن هذه الطبقة لم تنجح في أن تفرض هيمنتها على الحركة الوطنية نتيجة افتقارها إلى إيديولوجية موحدة، وعجزها عن تجاوز الانقسامات العمودية داخل المجتمع.

ومثّلت طبقة الفلاحين غالبية السكان المسلمين في فلسطين، وهي التي حملت السلاح وثارت على الانتداب والصهيونية ما بين عامَي 1936 و1939، بعدما أدركت الترابط بينهما، وذلك على الرغم من حالة البؤس التي كانت تعاني منها، ومن المديونية ومن آثار الاستيطان اليهودي الذي حرم قطاعات واسعة منها من الأرض. وظلت طبقة البروليتاريا وشبه البروليتاريا، ذات الجذور الريفية، تعاني من البطالة وتدني مستوى الأجور. ومع أن محاولات تنظيمها في أطر نقابية قد بدأت منذ عام 1925، بتأثير من الحزب الشيوعي الفلسطيني، إلا أن دورها ظل محدوداً وبقيت تعاني من انقسامها إلى قطاعين عربي ويهودي.

العوامل التي أنضجت تشكّل الوضع الثوري

ويخصص الخازن الفصل الرابع من كتابه للحديث عن العوامل التي أنضجت تشكّل الوضع الثوري، معتبراً أن ثورة 1936 لم تكن عاصفة في ليلة صيف، وإنما كانت نتاج تراكم مشاعر الغضب والإحباط لدى العرب الفلسطينيين على مدى سنوات طويلة، ونتاج انتفاضاتهم المتلاحقة التي كانت تخمدها السلطات البريطانية بالنار، وكذلك نتاج تذبذبات الطبقة القائدة وفشل محاولاتها لدفع السلطة الانتدابية إلى لعب دور يكون أقل تحيزاً للصهيونية.

ويقسم الباحث الفترة الممتدة ما بين احتلال البريطانيين مدينة القدس في كانون الأول 1917 وتموز 1935 إلى مراحل ثلاث، تميّزت الأولى، من 1917 إلى 1920، بشيوع الأمل والاعتقاد بأن الوجود البريطاني في فلسطين سيكون عابراً؛ أما المرحلة الثانية من 1920 إلى 1929، فقد بدأت بحدثين كانت لهما انعكاسات مهمة على الحركة القومية العربية الجامعة، التي كان مركزها دمشق، وهما مؤتمر سان ريمو في نيسان 1920، من جهة، الذي قرر وضع فلسطين والعراق تحت الانتداب البريطاني، وسوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي؛ ودخول القوات الفرنسية إلى دمشق في 25 تموز من العام نفسه وسقوط مملكة فيصل العربية، من جهة ثانية. فبتأثير هذين الحدثين انقسمت الحركة القومية العربية الجامعة إلى "جداول إقليمية"، على حد تعبير المؤرخ الفلسطيني الراحل إميل توما، بات لكل واحد منها أهدافه الوطنية الخاصة، وإن لم يتخلَّ عن هدف الوحدة في إطار سوريا الطبيعية.

وقد تميّزت هذه المرحلة الثانية بتركّيز الطبقة القائدة العربية نضالها على الصهيونية، ودعوتها إلى إلغاء وعد بلفور، ووقف الهجرة اليهودية وعمليات بيع الأراضي للمستوطنين اليهود، وتشكيل مجلس تمثيلي يمنح سكان فلسطين فرصة حكم أنفسهم بأنفسهم. ويستعرض الباحث المؤتمرات الوطنية التي عقدها ممثلو الطبقة القائدة العربية، الذين انتظموا في إطار الجمعيات الإسلامية – المسيحية والنوادي الثقافية العربية، ويشير إلى أن الفترة الممتدة ما بين 1923 و1928 قد شهدت تناقصاً لحدة التوتر في فلسطين نتيجة الصعوبات التي واجهها المشروع الصهيوني، وهو التوتر الذي أججته من جديد الانتفاضة التي اندلعت في الأسبوع الأخير من آب 1929، وعُرفت باسم "انتفاضة البُراق"، والتي ذهب ضحيتها 135 يهودياً في مقابل 136 عربياً، بالإضافة إلى سقوط 340 جريحاً يهودياً في مقابل 240 جريحاً عربياً.

وفي المرحلة الثالثة، الممتدة ما بين 1930 و1935، برز خطر الصهيونية بصفته خطراً آنياً، نتيجة تدفق سيل المهاجرين اليهود إلى فلسطين وإخفاق القيادة العربية في دفع بريطانيا إلى اتخاذ مواقف أقل تحيزاً للصهيونية. وفي تلك المرحلة راحت تبرز المنظمات السرية، وفي مقدمها منظمة القسّام، كما راحت تتشكّل الأحزاب العربية، وبخاصة حزب "الاستقلال".
وأمام تنامي خطر الهجرة اليهودية، حيث دخل إلى فلسطين ما بين عامَي 1933 و1936 164368 مهاجراً يهودياً جديداً، باستثناء المهاجرين غير الشرعيين، لم يعد في إمكان القيادة التقليدية من الوجهاء الاستمرار في اتّباع سياسة التهدئة، وانفجرت الاضطرابات في مدينة يافا في 27 تشرين الأول 1933 خلال التظاهرة الشعبية، التي جرت بمشاركة عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني الفلسطيني، وسقط خلالها 30 قتيلاً وحوالى 100 جريح، وامتدت الاضطرابات في اليوم التالي إلى المدن الأخرى وأعلن الإضراب العام لمدة سبعة أيام.

ويتوقف الباحث في هذا الفصل أمام ظاهرة تشكيل الأحزاب العربية، التي كانت أقرب إلى اتحادات تجمع وجهاء وأشباه وجهاء، ملتفين حول زعيم، منها إلى الأحزاب السياسية الحديثة، فيشير إلى أن الخلافات التي كانت تعصف باللجنة التنفيذية العربية، من جهة، ووفاة رئيسها موسى كاظم الحسيني في آذار 1934، من جهة ثانية، قد شجعا على بروز هذه الظاهرة، التي كانت انطلقت عام 1932 مع تشكيل "مؤتمر الشباب العربي". ففي 2 كانون الأول عام 1934، أُعلن عن تأسيس "حزب الدفاع الوطني"، الذي ضم "المعارضين"، بزعامة عائلة النشاشيبي، وفي 27 آذار 1935، شكّل أنصار محمد أمين الحسيني "الحزب العربي الفلسطيني"، الذي تبنّى جانباً كبيراً من برنامج "حزب الاستقلال". ويفرد الباحث حيزاً واسعاً للحديث عن الحزب الأخير، الذي تشكّل في آب 1932 على يد وطنيين حاولوا أن يبقوا بعيدين عن النزاعات العائلية، التي كانت تعصف بالحركة الوطنية، لا سيما بين عائلتي الحسيني والنشاشيبي. ويبيّن الأسباب التي حالت دون استمرار نشاط هذا الحزب ومنعته من استقطاب آلاف الأعضاء، وذلك على الرغم من انسجام مواقفه الحازمة ضد الانتداب البريطاني مع المزاج الشعبي السائد آنذاك، حيث يرى أن العصبية التي منعت الحراك السياسي في المجتمع هي السبب الرئيسي لتوقف نشاطه في كانون الأول 1933، وانطفائه أمام النفوذ الكبير الذي كان يتمتع به المفتي بين الجماهير الشعبية وبخاصة في الأرياف.

مقدمات ثورة 1936 وبداياتها

ويتطرق الخازن في الفصل الخامس إلى مقدمات الثورة، التي راحت تتجمع ما بين تموز 1935 ونيسان 1936، معتبراً أن المحاولة التي قام الشيخ عز الدين القسّام لتفجير الثورة المسلحة، والتي انتهت باستشهاده في تشرين الثاني 1935، قد ساعدت على الحط من شأن الطبقة القائدة العربية وعجّلت الانفجار الثوري العام، الذي وقع في مرحلة كانت فيها البلدان العربية المجاورة لفلسطين تشهد حالة من الغليان الثوري، دفعت المستعمرين الأوروبيين إلى تقديم بعض التنازلات للحركات الوطنية في كلّ من مصر وسوريا والعراق.

فبعد أن يستعرض سيرة القسّام والتحضيرات التي سبقت نشوء منظمته السرية، يعتبر أن تصاعد الهجرة اليهودية وتسلّح اليهود، والذي سلّط الضوء عليه اكتشاف شحنة كبيرة من الأسلحة مرسلة إلى المنظمة الصهيونية في تشرين الأول 1935، قد دفعا القسّام إلى اتخاذ قرار الشروع في الثورة المسلحة، وهو القرار الذي سعى إلى الحصول على تأييد المفتي له، لكن الأخير رأى أن الوقت لم يحن بعد لإعلان مثل هذه الثورة. ومع أن منظمة القسّام قد انقسمت، بعد استشهاده في 20 تشرين الثاني 1935، مجموعات عدة، إلا أن محاولته، التي حظيت بدعم شعبي كبير تجلّى في الحشود التي شاركت في جنازته والتي قُدّر عددها بنحو 30 الف شخص، قد وضعت الزعماء العرب من الوجهاء في موقف حرج، وطرحت بديلاً من السياسة التي انتهجوها على مدى عقدين من الزمن.
ويخصص الخازن الفصل السادس والأخير من كتابه للحديث عن بدايات الثورة الفلسطينية الكبرى في الفترة ما بين شهرَي نيسان وتشرين الأول 1936، وهي الفترة التي تغطي إعلان الإضراب العام وانطلاق الثورة المسلحة وتطورها، من جهة، وتصاعد المناورات السياسية لوضع حد للتحرك الشعبي الثوري، من جهة ثانية.

ويرى الباحث أن الكمين الذي نصبته إحدى العصابات القسّامية على طريق نابلس - طولكرم، في 15 نيسان 1936، لركاب إحدى السيارات اليهودية، والذي أدى إلى مقتل يهودي وجرح اثنين، كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الثورة، التي انطلقت فعلياً بإعلان الإضراب العام في مدينة نابلس في 19 من الشهر نفسه، وفي يافا في اليوم التالي، ومن ثم امتداده إلى المدن الفلسطينية الأخرى.

ومع أن الأيام الأولى من الإضراب قد شهدت قيام "اللجان القومية" الشعبية في المدن، التي تشكّلت في الأساس من الشباب ومن نشطاء حزب "الاستقلال"، إلا أن هذه اللجان عجزت عن أن تشكّل بديلاً من القيادة التقليدية، لا سيما بعدما ركبت الأخيرة موجة التحرك الشعبي، وسارعت، في 25 نيسان، إلى الإعلان عن تشكيل "اللجنة العربية العليا" برئاسة محمد أمين الحسيني وعضوية ممثلي الأحزاب العربية. ويعتبر الخازن أن انتقال أمين الحسيني إلى المعارضة السافرة للانتداب البريطاني وقيادته الرسمية للتحرك الشعبي ولحركة الإضراب قد مثّلا منعطفاً في تاريخ الحركة الوطنية، وشكّلا ضربة قاسية لسياسة المندوب السامي البريطاني. وأدّى توسع الثورة المسلحة بدءاً من شهر أيار، وتعنت الحكومة البريطانية، إلى منع القيادة التقليدية العربية من التراجع عن الأهداف الوطنية المعلنة للتحرك الشعبي، والمتمثّلة في وقف الهجرة اليهودية، ووقف بيوع الأراضي وإقامة حكومة وطنية.

ويفرد الخازن حيزاً واسعاً في هذا الفصل للحديث عن الثورة المسلحة وتنظيمها، فيشير إلى أن الفلاحين كانوا يشكّلون 90 في المئة من المشاركين فيها، وأن جسمها قد تكوّن من ثلاثة مكوّنات: الأول تمثّل في مجموعات المجاهدين الدائمين في الجبال الذين مثّلوا العمود الفقري للثورة؛ والثاني في المجموعات الصغيرة في المدن التي كانت تقوم بالعمليات الإرهابية، مثل الاغتيالات وزرع القنابل؛ والثالث في الفلاحين البسطاء الذين كانوا يمارسون أعمالهم الاعتيادية ويهبون لنجدة الثوار عندما يقع اشتباك بالقرب من قراهم. وقد اتخذ المكوّن الأول للثورة شكل عصابات مسلحة يقف على رأس كل واحدة منها زعيم يحتكر سلطة اتخاذ القرار، ويرتبط بأعوانه من خلال عصبية معيّنة، قد تكون عصبية الانتماء إلى ناحية، أو إلى قرية، أو إلى قرابة. وبعد أن يستعرض الباحث أسماء عدد من زعماء هذه العصابات المسلحة، يتطرق إلى مساهمة بعض الضباط العرب المحترفين، وفي مقدمهم فوزي القاوقجي، في الثورة، ثم يتوقف مطوّلاً أمام المناورات السياسية التي قام بها الملوك والأمراء العرب لإقناع العرب الفلسطينيين بوقف الإضراب والثورة، لا سيما الدور الذي لعبه الأمير عبد الله، أمير شرق الأردن، من جهة، ونوري السعيد، وزير خارجية العراق آنذاك، من جهة ثانية، للتوسط بين اللجنة العربية العليا والحكومة البريطانية، بما في ذلك اللقاء الذي جرى في لندن بين نوري السعيد وحاييم وايزمن، في حزيران 1936، والذي تقدم فيه الوزير العراقي بمقترح إدراج الوطن القومي اليهودي ضمن اتحاد عربي يقوده الفرع العراقي من الهاشميين. وينهي الباحث هذا الفصل بالحديث عن المساعي التي صارت تبذلها اللجنة العربية العليا، منذ 12 أيلول، لتحضير الرأي العام الفلسطيني لقبول فكرة وقف الإضراب، وهو ما تحقق بالفعل بعد شهر من ذلك التاريخ إثر وصول نداءات الملوك والأمراء العرب الداعية إلى التهدئة والرهان على "حسن نيات" بريطانيا الراغبة في ضمان "العدالة" في فلسطين. وبذلك أُسدل الستار عن أطول إضراب شهده العالم العربي.

الهزيمة تمهّد للنكبة

في خاتمة كتابه، يخلص الخازن إلى أن العرب الفلسطينيين قد وافقوا على وقف الإضراب والثورة اعتقاداً منهم بأن الزعماء العرب قد حصلوا على ضمانات سرية من جانب الحكومة البريطانية، لكن أوهامهم هذه ما لبثت أن تبددت. فالحكومة البريطانية، وكعادتها، لجأت هذه المرة أيضاً إلى تشكيل لجنة تحقيق ملكية في حوادث فلسطين، أوصت في 7 تموز 1937 بتقسيم فلسطين ثلاث مناطق عربية ويهودية وبريطانية.

وشيئاً فشيئاً، وأمام انعدام فرص الحل السياسي، راحت تتجمع شروط استئناف الثورة المسلحة، التي اشتعلت شرارتها من جديد، في 26 أيلول 1937، عندما قامت إحدى المجموعات القسّامية باغتيال حاكم منطقة الجليل البريطاني. وخلال أشهر قليلة استطاع الثوار السيطرة على معظم المناطق الريفية، وصاروا يهاجمون بعض المدن ويفرضون سيطرتهم المؤقتة عليها. وقد استفادت القيادات العسكرية المحلية، التي كانت تتشكّل في الأساس من الفلاحين، من غياب أعضاء اللجنة العربية العليا عن مسرح الأحداث السياسي، نتيجة الاعتقال أو الإبعاد أو الهرب، كي تلعب دوراً أكبر من السابق في توجيه الثورة. فمن أصل 282 شخصاً شغلوا مواقع قيادية في الثورة، في تلك الفترة، لم يكن هناك سوى 29 ينتمون إلى فئة الوجهاء. غير أن هذا التطور الذي طرأ على تركيب القيادة العسكرية للثورة لم يزعزع زعامة المفتي، الذي ظل يتمتع بتأييد شعبي واسع على الرغم من لجوئه إلى لبنان وإقالته من كل مناصبه.

ويرى الباحث أن الثورة الفلسطينية كانت في صيف 1938، وبالاستناد إلى ما حققته من منجزات، قريبة من تحقيق أهدافها، لكن عوامل عديدة حالت دون ذلك، من بينها عجز الثورة عن تشكيل قيادة مركزية موحدة، والصراع على النفوذ بين زعماء العصابات المسلحة المختلفة، واستمرار معاناة الشعب الفلسطيني من النزاع بين العصبيات العائلية والمناطقية، واللجوء إلى حملات الاغتيال الواسعة. وقد استفادت السلطات البريطانية من كل هذه العوامل ونجحت باستعادة زمام المبادرة، وبخاصة بعد أن حظيت بدعم " فرق السلام " المسلحة، التي شكّلها حزب "الدفاع الوطني"، وصارت تشارك إلى جانب القوات البريطانية في ملاحقة الثوار.

وتوقفت الثورة التي استمرت على مدى ثلاث سنوات، بعدما سقط خلالها، بين صفوف العرب الفلسطينيين، 5000 قتيل، و 10000 جريح، ووقع في أسر القوات البريطانية أكثر من 5600 معتقل. وتسبب عجز الثورة عن تحقيق أهدافها في شلل الحركة الوطنية الفلسطينية التي وقفت مرتبكة، وانقسمت على نفسها، إزاء المبادرة السياسية التي طرحتها الحكومة البريطانية وتمثّلت في "الكتاب الأبيض" الصادر في 17 أيار 1939.

وفي الخلاصة، يرى الخازن أن هزيمة الثورة كان تعبيراً ساطعاً عن عجز مجتمع عربي تقليدي عن ضمان تماسكه الوطني ووحدة صفوفه في مواجهة خطر خارجي قاتل، معتبراً أن التفسيرات "الماركسية الميكانيكية" قد تجاهلت خصوصية بنى المجتمع العربي التقليدي ولم تفلح في تلمس تعقيدات الواقع. ففي المجتمع الفلسطيني، الخاضع للانقسامات العمودية، كانت العصبيات هي القوى التي حكمت توجهه السياسي. من الصحيح أنه ظهرت إلى جانبها قوى أخرى، نبعت من التحوّلات الاقتصادية التي صار يشهدها المجتمع منذ نهاية القرن التاسع عشر، لكن هذه القوى الجديدة لم تكن قوية بما يكفي كي تفرض توجهها على مسار الأحداث. ومن ناحية أخرى، شكّلت بنية المجتمع عائقاً كبيراً حال دون ولادة قطب جديد يفرض هيمنته ويضع حداً لنظام تحالفات العصبيات المسيطرة. فالجماهير الشعبية كانت تعجز دوماً عن ترجمة غضبها واستيائها إلى حركة سياسية. لكن العوامل الذاتية لا تفسر وحدها هزيمة ثورة 1936، بل كان للعوامل الموضوعية تأثير أكبر بكثير في ذلك. فشعب تعداده مليون نسمة تقريباً كان عليه أن يواجه بريطانيا العظمى وقواتها المسنودة من القوات الصهيونية، وذلك في وقت كان فيه الاستعمار في أوج قوته، وفي وقت خاب فيه الرهان على الاستفادة من التناقضات الفرنسية – البريطانية.

ويقدّر الخازن في الختام أن الفلسطينيين قد تأخروا كثيراً عندما أعلنوا ثورتهم الكبرى في عام 1936، وأنه كان عليهم أن يعلنوها قبل خمسة عشر عاماً من ذلك التاريخ، وذلك عندما كان المشروع الصهيوني لا يزال في بداياته. ولكونها قد تأخرت أفضت هذه الثورة إلى نتائج مناقضة للنتائج التي توخاها العرب الفلسطينيون منها. فهي، وبدلاً من أن تخنق الوطن القومي اليهودي، ساهمت في تعزيزه عسكرياً، وإلى حد ما اقتصادياً، بينما جعلت المجتمع الفلسطيني يعاني من نزيف حاد وعمّقت انقساماته العمودية. ومن تلك المواجهة غير المتوازنة، وما أسفرت عنه، نبعت النكبة الكبرى في عام 1948 وتهجير الشعب الفلسطيني. مع تحيات............................................................GHASSAN KANAFANI
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 17004

مُساهمةموضوع: رد: أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .   الأربعاء 16 يونيو 2010, 19:11

السلام عليكم..
شكرا اخي غسان علىالموضوع الغني..
واعتذر بسبب ضيق الوقت لمناقشة بعض الافكار..
وسوف انسحب في هذه اللحظة بسس كام قلت ضيق الوقت والوموضوع تبارك الله يحتاج
الى قراءة متأنية بسبب المعلومات التي يحتويها...
فشكرا اخي غسان
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
أعمال غسان كنفاني........ .........ثورة 1936 الفلاحية في فلسطين .
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» حكـــــــــــــــــــــــــــــــــام مصـــــــــــــــر من 1900 حتى الان

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
plage blanche :: الادب العربي-
انتقل الى: