plage blanche
مرحبا بك عزيزي الزائر المرجوا منك ان تعرف بنفسك و تدخل المنتدى معنا ان لم يكن لك حساب فإن إدارة منتدى الشاطئ الابيض تتشرف بدعوتك لإنشائه

plage blanche

الشاطئ الأبيض
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 رجال حول الرسول

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
حيمد عبدالحي
عضو نشيط
عضو نشيط
avatar

تاريخ التسجيل : 10/02/2010
عدد المساهمات : 102
نقاط : 14314

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 21 أبريل 2010, 13:43

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنت الشاطئ
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 03/02/2010
عدد المساهمات : 406
نقاط : 14673

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 22 أبريل 2010, 11:41

شكرا اخي عبد الحي
وكذلك انت .آمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنت الشاطئ
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 03/02/2010
عدد المساهمات : 406
نقاط : 14673

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 12 مايو 2010, 11:42

نزولا عند رغبة الاخ بن صالح سوف نتابع هذه الصفحة المضيئة من حياة الصحابة

خباب بن الأرت - أستاذ فنّ الفداء



خرج نفر من القرشيين، يغدّون الخطى، ميممين شطر دار خبّاب ليتسلموا منه سيوفهم التي تعاقدوا معه على صنعها..

وقد كان خباب سيّافا، يصنع السيوف ويبيعها لأهل مكة، ويرسل بها الى الأسواق..

وعلى غير عادة خبّاب الذي لا يكاد يفارق بيته وعمله، لم يجده ذلك النفر من قريش فجلسوا ينتظرونه..

وبعد حين طويل جاء خباب على وجهه علامة استفهام مضيئة، وفي عينيه دموع مغتبطة.. وحيّا ضيوفه وجلس..

وسألوه عجلين: هل أتممت صنع السيوف يا خباب؟؟

وجفت دموع خباب، وحل مكانها في عينيه سرور متألق، وقال وكأنه يناجي نفسه: ان أمره لعجب..

وعاد القوم يسألونه: أي أمر يا رجل..؟؟ نسألك عن سيوفنا، هل أتممت صنعها..؟؟
ويستوعبهم خبّاب بنظراته الشاردة الحالمة ويقول:

هل رأيتموه..؟ هل سمعتم كلامه..؟

وينظر بعضهم لبعض في دهشة وعجب..

ويعود أحدهم فيسأله في خبث:

هل رأيته أنت يا خبّاب..؟؟

ويسخر خبّاب من مكر صاحبه، فيردّ عليه السؤال قائلا:

من تعني..؟

ويجيب الرجل في غيظ: أعني الذي تعنيه..؟

ويجيب خبّاب بعد اذ أراهم أنه أبعد منالا من أن يستدرج، وأنه اعترف بايمانه الآن أمامهم، فليس لأنهم خدعوه عن نفسه، واستدرجوا لسانه، بل لأنه رأى الحق وعانقه، وقرر أن يصدع به ويجهر..


يجيبهم قائلا، وهو هائم في نشوته وغبطة روحه:

أجل... رأيته، وسمعته.. رأيت الحق يتفجر من جوانبه، والنور يتلألأ بين ثناياه..!!

وبدأ عملاؤه القرشيون يفهمون، فصاح به أحدهم:

من هذا الذي تتحدث عنه يا عبد أمّ أنمار..؟؟

وأجاب خبّاب في هدء القديسين:

ومن سواه، يا أخا العرب.. من سواه في قومك، من يتفجر من جوانبه الحق، ويخرج النور بين ثناياه..؟!

وصاح آخر وهبّ مذعورا:

أراك تعني محمدا..

وهز خبّاب رأسه المفعم بالغبطة، وقال:

نعم انه هو رسول الله الينا، ليخرجنا من الظلمات الى االنور..

ولا يدري خبّاب ماذا قال بعد هذه الكلمات، ولا ماذا قيل له..

كل ما يذكره أنه أفاق من غيبوبته بعد ساعات طويلة ليرى زوّاره قد انفضوا.. وجسمه وعظامه تعاني رضوضا وآلاما، ودمه النازف يضمّخ ثوبه وجسده..!!


وحدّقت عيناه الواسعتان فيما حوله.. وكان المكان أضيق من أن يتسع لنظراتهما النافذة، فتحمّل على آلامه، ونهض شطر الفضاء وأمام باب داره وقف متوكئا على جدارها، وانطلقت عيناه الذكيتان في رحلة طويلة تحدّقان في الأفق، وتدوران ذات اليمين وذات الشمال..انهما لا تقفان عند الأبعاد المألوفة للناس.. انهما تبحثان عن البعد المفقود...أجل تبحثان عن البعد المفقود في حياته، وفي حياة الناس الذين معه في مكة، والناس في كل مكان وزمان..

ترى هل يكون الحديث الذي سمعه من محمد عليه الصلاة والسلام اليوم، هو النور الذي يهدي الى ذلك البعد المفقود في حياة البشر كافة..؟؟

واستغرق خبّاب في تأمّلات سامية، وتفكير عميق.. ثم عاد الى داخل داره.. عاد يضمّد جراح جسده، ويهيءه لاستقبال تعذيب جديد،

وآلام جديدة..!!


ومن ذلك اليوم أخذ خبّاب مكانه العالي بين المعذبين والمضطهدين..

أخذ مكانه العالي بين الذين وقفوا برغم فقرهم، وضعفهم يواجهون كبرياء قريش وعنفها وجنونها..

أخذ مكانه العالي بين الذين غرسوا في قلوبهم سارية الراية التي أخذت تخفق في الأفق الرحيب ناعية عصر الوثنية، والقيصرية.. مبشرة بأيام المستضعفين والكادحين، الذين سيقفون تحت ظل هذه الراية سواسية مع أولئك الذين استغلوهم من قبل، وأذاقوهم الحرمان والعذاب..

وفي استبسال عظيم، حمل خبّاب تبعاته كرائد..

يقول الشعبي:

" لقد صبر خبّاب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه"..!!

أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..

لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله الى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..

ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا جوعين من التضحية، بل راجين العافية، فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...


ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:

" شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا..؟؟

فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمرّ وجهه وقال:

قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار، فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه..!!

وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الله الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون"..!!


سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات، فازداد ايمانهم واصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله ما يحبّان من تصميم وصبر، وتضحية.

وخاض خبّاب معركة الهول صابرا، صامدا، محتسبا.. واستنجد القرشيون أم أنمار سيدة خبّاب التي كان عبدا لها قبل أن تعتقه، فأقبلت واشتركت في حملة تعذيبه..

وكانت تأخذ الحديد المحمى الملتهب، وتضعه فوق رأسه ونافوخه، وخبّاب يتلوى من الألم، لكنه يكظم أنفاسه، حتى لا تخرج منه زفرة ترضي غرور جلاديه..!!


ومرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، والحديد المحمّى فوق رأسه يلهبه ويشويه، فطار قلبه حنانا وأسى، ولكن ماذا يملك عليه الصلاة والسلام يومها لخبّاب..؟؟

لا شيء الا أن يثبته ويدعو له..

هنالك رفع الرسول صلى الله عليه وسلم كفيه المبسوطتين الى السماء، وقال:

" اللهم أنصر خبّابا"..

ويشاء الله ألا تمضي سوى أيام قليلة حتى ينزل بأم أنمار قصاص عاجل، كأنما جعله القدر نذيرا لها ولغبرها من الجلادين، ذلك أنها أصيبت بسعار عصيب وغريب جعلها كما يقول المؤرخون تعوي مثل الكلاب..!!

وقيل لها يومئذ لا علاج سوى أن يكوى رأسها بالنار..!!

وهكذا شهد رأسها العنيد سطوة الحديد المحمّى يصبّحه ويمسّيه..!!

**


كانت قريش تقاوم الايمان بالعذاب.. وكان المؤمنون يقاومون العذاب بالتضحية.. وكان خبّاب واحدا من أولئك الذين اصطفتهم المقادير لتجعل منهم أساتذة في فن التضحية والفداء..

ومضى خبّاب ينفق وقته وحياته في خدمة الدين الذي خفقت أعلامه..

ولم يكتف رضي الله عنه في أيام الدعوة الأولى بالعبادة والصلاة، بل استثمر قدرته على التعليم، فكان يغشى بيوت بعض اخوانه من المؤمنين الذين يكتمون اسلامهم خوفا من بطش قريش، فيقرأ معهم القرآن ويعلمهم اياه..


ولقد نبغ في دراسة القرآن وهو يتنزل آية آية.. وسورة، سورة حتى ان عبدالله بن مسعود، وهو الذي قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من أراد أن يقرأ القرآن غصّا كما أنزل، فليقراه بقراءة ابن أم عبد"..

نقول:

حتى عبد الله بن مسعود كان يعتبر خبّابا مرجعا فيما يتصل بالقرآن حفظا ودراسة..


وهو الذي كان يدرّس القرآن لـ فاكمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد عندام فاجأهم عمر بن الخطاب متقلدا سيفه الذي خرج به ليصفي حسابه مع الاسلام ورسوله، لكنه لم يكد يتلو القرآن المسطور في الصحيفة التي كان يعلّم منها خبّاب، حتى صاح صيحته المباركة:

" دلوني على محمد"...!!


وسمع خبّاب كلمات عمر هذه، فخرج من مخبئه الذي كان قد توارى فيه وصاح:

" يا عمر..

والله اني لأرجوا أن يكون الله قد خصّك بدعوة نبيّه صلى الله عليه وسلم، فاني سمعته بالأمس يقول: اللهم أعز الاسلام بأحبّ الرجلين اليك.. أبي الحكم بن هشام، وعمربن الخطاب"..

وسأله عمر من فوره: وأين أجد الرسول الآن يا خبّاب:

" عند الصفا، في دار الأرقم بن أبي الأرقم"..

ومضى عمر الى حظوظه الوافية، ومصيره العظيم..!!

**


شهد خبّاب بن الأرت جميع المشهد والغزوات مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعاش عمره كله حفيظا على ايمانه ويقينه....

وعندما فاض بيت مال لمسلمين بالمال أيام عمر وعثمان، رضي الله عنهما، كان خبّاب صاحب راتب كبير بوصفه من المهاجرين لسابقين الى الاسلام..

وقد أتاح هذا الدخل الوفير لخبّاب أن يبتني له دارا بالكوفة، وكان يضع أمواله في مكان ما من الدار يعرفه أصحابه وروّاده.. وكل من وقعت عليه حاجة، يذهب فيأخذ من المال حاجته..

ومع هذا فقد كان خبّاب لا يرقأ له جفن، ولا تجف له دمعة كلما ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه الذين بذلوا حياهم للله، ثم ظفروا بلقائه قبل أن تفتح الدنيا على المسلمين، وتكثر في أيديهم الأموال.

اسمعوه وهو يتحدث االى عوّاده الذين ذهبوا يعودونه وهو رضي الله عنه في مرض موته.

قالوا له:

أبشر يا أبا عبدالله، فانك ملاق اخواتك غدا..

فأجابهم وهو يبكي:

" أما انه ليس بي جزع .. ولكنكم ذكّرتموني أقواما، واخوانا، مضوا بأجورهم كلها ام ينالوا من الدنيا شيئا..

وانّا بقينا بعدهم حتى نلنا من الدنيا ما لم نجد له موضعا الا التراب"..

وأشار الى داره المتواضعة التي بناها.

ثم أشار مرة أخرى الى المكان الذي فيه أمواله وقال:

" والله ما شددت عليها من خيط، ولا منعتها من سائل"..!

ثم التفت الى كنفه الذي كان قد أعدّ له، وكان يراه ترفا واسرافا وقال ودموعه تسيل:

" أنظروا هذا كفني..

لكنّ حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم لم يوجد له كفن يوم استشهد الا بردة ملحاء.... اذا جعلت على رأسه قلصت عن قدميه، واذا جعلت على قدميه قلصت عن رأسه"..!!

**


ومات خبّاب في السنة السابعة والثلاثين للهجرة..

مات أستاذ صناعة السيوف في الجاهلية..

وأستاذ صناعة التضحية والفداء في الاسلام..!!


مات الرجل الذي كان أحد الجماعة الذين نزل القرآن يدافع عنهم، ويحييهم، عندما طلب بعض السادة من قريش أن يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، وللفراء من أمثال :خبّاب، وصهيب، وبلال يوما آخر.

فاذا القرآن العظيم يختص رجال الله هؤلاء في تمجيد لهم وتكريم، وتهل آياته قائلة للرسول الكريم:

( ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه، ما عليك من حسابهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا: أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا؟! أليس الله بأعلم بالشاكرين واذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا، فقل سلام عليكم، كتب ربكم على نفسه الرحمة)..


وهكذا، لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يراهم بعد نزول الآيات حتى يبالغ في اكرامهم فيفرش لهم رداءه، ويربّت على أكتافهم، ويقول لهم:

" أهلا بمن أوصاني بهم ربي"..

أجل.. مات واحد من الأبناء البررة لأيام الوحي، وجيل التضحية...


ولعل خير ما نودّعه به، كلمات الامام علي كرّم الله وجهه حين كان عائدا من معركة صفين، فوقعت عيناه على قبر غضّ رطيب، فسأل: قبر من هذا..؟

فأجابوه: انه قبر خبّاب..

فتملاه خاشعا آسيا، وقال:

رحم الله خبّابا..

لقد أسلم راغبا.

وهاجر طائعا..

وعاش مجاهدا..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 15314

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 12 مايو 2010, 18:15

السلام عليكم..
شخصية اخرى فذة تنضاف الى قائمة الشخصيات التي يسجل التاريخ اسماءهم..ويترك
اثرهم قدوة لكل محب للحق ومحب لدين الله عز وجل..وتتوالى الشخصيات..وكلها من العيار الثقيل..
وكلها مثل يقتدى به..ولن يفقد المقلد صورته او شخصيته لو قلدها لأنها فوق الاعتبار..واحسن من الاعتبار
شخصيات حباها الله بما حباها..وواحد منها يسمى خباب بن الارت
اقتباس :
" لقد صبر خبّاب، ولم تلن له أيدي الكفار قناة، فجعلوا يلصقون ظهره العاري بالرضف حتى ذهب لحمه"..!!
أجل كان حظ خبّاب من العذاب كبيرا، ولكن مقاومته وصبره كانا أكبر من العذاب..
لقد حوّل كفار قريش جميع الحديد الذي كان بمنزل خبّاب والذي كان يصنع منه السيوف.. حولوه كله الى قيود وسلاسل، كان يحمى عليها في النار حتى تستعر وتتوهج، ثم يطوّق بها جسده ويداه وقدماه..
ولقد ذهب يوما مع بعض رفاقه المضطهدين الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا جوعين من التضحية، بل راجين العافية، فقالوا:" يا رسول الله.. ألا تستنصر لنا..؟؟" أي تسأل الله لنا النصر والعافية...
ولندع خبّابا يروي لنا النبأ بكلماته:
" شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببرد له في ظل الكعبة، فقلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا..؟؟
فجلس صلى الله عليه وسلم، وقد احمرّ وجهه وقال:
قد كان من قبلكم يؤخذ منهم الرجل، فيحفر له في الأرض، ثم يجاء بمنشار، فيجعل فوق رأسه، ما يصرفه ذلك عن دينه..!!
وليتمّنّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الله الله عز وجل، والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون"..!!
سمع خبّاب ورفاقه هذه الكلمات، فازداد ايمانهم واصرارهم وقرروا أن يري كل منهم ربّه ورسوله ما يحبّان من تصميم وصبر، وتضحية.
رمز للصبر والتضحية والتعلق بالكلمة الخالصة..فلا التعذيب استطاع ان يوهي من عزمه و التنكيل..
ولكن اللذة تمكن في الصبر من اجل هدف..وتلك ليست ماجوشية ولا سادية أو اي مصطلح يمكن ان نطلقه على ما قام بن خباب..
وتلك لعمري درجة قصوى في الايمان ..وتلك درجة من حباه الله بالايمان الصادق..
شكرا اختنا بنت الشاطي
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنت الشاطئ
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 03/02/2010
عدد المساهمات : 406
نقاط : 14673

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 19 مايو 2010, 12:18

زيد بن حارثة

زيد بن حارثة - لم يحبّ حبّه أحد


وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يودع جيش الاسلام الذاهب لملاقاة الروم في غزوة مؤتة ويعلن أسماء أمراء الجيش الثلاثة، قائلا:

" عليكم زيد بن حارئة.. فان أصيب زيد فجعفر بن أبي طاب.. فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة".

فمن هو زيد بن حارثة"..؟؟

من هذا الذي حمل دون سواه لقب الحبّ.. حبّ رسول الله..؟
أما مظهره وشكله، فكان كما وصفه المؤرخون والرواة:

" قصير، آدم، أي أسمر، شديد الأدمة، في أنفه فطس"..

أمّا نبؤه، فعظيم جدّ عظيم..!!

**


أعدّ حارثة أبو زيد الراحلة والمتاع لزوجته سعدى التي كانت تزمع زيارة أهلها في بني معن.

وخرج يودع زوجته التي كانت تحمل بين يديها طفلهما الصغير زيد بن حارثة، وكلما همّ أن يستودعهما القافلة التي خرجت الزوجة في صحبتها ويعود هو الى داره وعمله، ودفعه حنان خفيّ وعجيب لمواصلة السير مع زوجته وولده..

لكنّ الشقّة بعدت، والقافلة أغذّت سيرها، وآن لحارثة أن يودّع الوليد وأمّه، ويعود..

وكذا ودّعهما ودموعه تسيل.. ووقف طويلا مسمرا في مكانه حتى غابا عن بصره، وأحسّ كأن قلبه لم يعد في مكانه.. كأنه رحل مع الراحلين..!!

**


ومكثت سعدى في قومها ما شاء الله لها أن تمكث..

وذات يوم فوجئ الحيّ، حي بني معن، باحدى القبائل المناوئة له تغير عليه، وتنزل الهزيمة ببني معن، ثم تحمل فيما حملت من الأسرى ذلك الطفل اليفع، زيد بن حارثة..

وعادت الأم الى زوجها وحيدة.

ولم يكد حارثة يعرف النبأ حتى خرّ صعقا، وحمل عصاه على كاهله، ومضى يجوب الديار، ويقطع الصحارى، ويسائل القبائل والقوافل عن ولده وحبّة قلبه زيد، مسايّا نفسه، وحاديا ناقته بهذا الشعر الذي راح ينشده من بديهته ومن مآقيه:

بكيت على زيد ولم ادر ما فعل

أحيّ فثرجى؟ أم أتى دونه الأجل

فوالله ما أدري، واني لسائل

أغالك بعدي السهل؟ أم غالك الجبل


تذكرينه الشمس عنج طلوعها

وتعرض ذكراه اذا غربع\ها أفل

وان هبّت الأرواح هيّجن ذكره

فيا طول حزني عليه، ويا وجل

**


كان الرّق في ذلك الزمان البعيد يفرض نفسه كظرف اجتماعي يحاول أن يكون ضرورة..

كان ذلك في أثينا، حتى في أزهى عصور حريّتها ورقيّها..

وكذلك كان في روما..

وفي العالم القديم كله.. وبالتالي في جزيرة العرب أيضا..

وعندما اختطفت القبيلة المغيرة على بني معن نصرها، وعادت حاملة أسراها، ذهبت الى سوق عكاظ التي كانت منعقدة أنئذ، وباعوا الأسرى..


ووقع الطفل زيد في يد حكيم بن حزام الذي وهبه بعد أن اشتراه لعمته خديجة.

وكانت خديجة رضي الله عنها، قد صارت زوجة لمحمد بن عبدالله، الذي لم يكن الوحي قد جاءه بعد. بيد أنه كان يحمل كل الصفات العظيمة التي أهلته بها الأقدار ليكون غدا من المرسلين..


ووهبت خديجة بدورها خادمها زيد لزوجها رسول اله فتقبله مسرورا وأعتقه من فوره،وراح يمنحه من نفسه العظيمة ومن قلبه الكبير كل عطف ورعاية..

وفي أحد مواسم الحج. التقى تفر من حيّ حارثة بزيد في مكة، ونقلوا اليه لوعة والديه، وحمّلهم زيد سلامه وحنانه وشوقه لأمه وأبيه، وقال للحجّاج من قومه"

" أخبوا أبي أني هنا مع أكرم والد"..


ولم يكن والد زيد يعلم مستقر ولده حتى أغذّ السير اليه، ومعه أخوه..

وفي مكة مضيا يسألان عن محمد الأمين.. ولما لقياه قالا له:

"يا بن عبدالمطلب..

يا لن سيّد قومه، أنتم أهل حرم، تفكون العاني، وتطعمون الأسير.. جئناك في ولدنا، فامنن علينا وأحسن في فدائه"..

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم تعلق زيد به، وكان في نفس الوقت يقدّر حق ابيه فيه..


هنالك قال حارثة:

"ادعوا زيدا، وخيّروه، فان اختاركم فهو لكم بغير فداء.. وان اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء"..!!

وتهلل وجه حارثة الذي لك يكن يتوقع كل هذا السماح وقال:

" لقد أنصفتنا، وزدتنا عن النصف"..

ثم بعث النبي صلى الله عليه وسلم الى زيد، ولما جاء سأله:

" هل تعرف هؤلاء"..؟

قال زيد: نعم.. هذا أبي.. وهذا عمّي.

وأعاد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ما قاله لحارثة.. وهنا قال زيد:

" ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت الأب والعم"..!!

ونديت عينا رسول الله بدموعشاكرة وحانية، ثم أمسك بيد زيد، وخرج به الى فناء الكعبة، حيث قريش مجتمعة هناك، ونادى الرسول:

" اشهدوا أن زيدا ابني.. يرثني وأرثه"..!!

وكاد قلب حارثة يطير من الفرح.. فابنه لم يعد حرّا فحسب، بل وابنا للرجل الذي تسمّيه قريش الصادق الأمين سليل بني هاشم وموضع حفاوة مكة كلها..

وعاد الأب والعم الى قومهما، مطمئنين على ولدهما والذي تركاه سيّدا في مكة، آمنا معافى، بعد أن كان أبوه لا يدري: أغاله السهل، أم غاله الجبل..!!

**


تبنّى الرسول زيدا.. وصار لا يعرف في مكة كلها الا باسمه هذا زيد بن محمد..

وفي يوم باهر الشروق، نادى الوحي محمدا:

( اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم، علّم الانسان ما لك يعلم)...

ثم تتابعت نجاءاته وكلماته:

( يا أيها الكدثر، قم فأنذر، وربّك فكبّر)...

(يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل اليك من ربك، وان لم تفعل فما بلّغت رسالته، والله يعصمك من الناس، ان الله لايهدي القوم الكافرين)...

وما ان حمل رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعة الرسالة حتى كان زيد ثاني المسلمين.. بل قيل انه كان أول المسلمين...!!

**


أحبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم حبا عظيما، وكان بهذا الحب خليقا وجديرا.. فوفاؤه الذي لا نظير له، وعظمة روحه، وعفّة ضميره ولسانه ويده...

كل ذلك وأكثر من ذلك كان يزين خصال زيد بن حارثة أو زيد الحبّ كما كان يلقبه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام..

تقول السيّدة عائشة رضي الله عنها:

" ما بعث الرسول صلى الله عليه وسلم في جيش قط الا أمّره عليهم، ولو بقي حيّا بعد رسول اللهلاستخلفه...

الى هذا المدى كانت منزلة زيد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فمن كان زيد هذا..؟؟

انه كما قلنا ذلك الطفل الذي سبي، ثم بيع، ثم حرره الرسول وأعتقه..

وانه ذلك الرجال القصير، الأسمر، الأفطس الأنف، بيد أنه أيضا ذلك الانسان الذي" قلبه جميع وروحه حر"..

ومن ثم وجد له في الاسلام، وفي قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى منزلة وأرفع مكان، فلا الاسلام ولا رسوله من يعبأ لحظه بجاه النسب، ولا بوجاهة المظهر.

ففي رحاب هذا الدين العظيم، يتألق بلال، ويتألق صهيب، ويتألق عمار وخبّاب وأسامة وزيد...

يتألقون جميعا كأبرا، وقادة..

لقد صحح الاسلام قيم الاسلام، قيم الحياة حين قال في كتابه الكريم:

( انّ أكرمكم عند الله أتقاكم)...

وفتح الأبواب والرحاب للمواهب الخيّرة، وللكفايات النظيفة، الأمينة، المعطية..

وزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا من ابنة عمته زينب، ويبدو أن زينب رضي الله عنها قد قبلت هذا الزواج تحت وطأة حيائها أن ترفض شفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ترغب بنفسها عن نفسه..

ولكن الحياة الزوجية أخذت تتعثر، وتستنفد عوامل بقائها، فانفصل زيد عن زينب.

وحمل الرسول صلى الله عليه وسلم مسؤوليته تجاه هذا الزواج الذي كان مسؤولا عن امضائه، والذي انتهى بالانفصال، فضمّ ابنة عمته اليه واختارها زوجة له، ثم اختار لزيد زوجة جديدة هي أم كلثوم بنت عقبة..


وذهب الشنئون يرجفون المدينة: كيف يتزوّج محمد مطلقة ابنه زيد؟؟

فأجابهم القرآن مفرّقا بين الأدعياء والأبنياء.. بين التبني والبنّوة، ومقررا الغاء عادة التبني، ومعلنا:

( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، ولكن رسول الله، وخاتم النبين).

وهكذا عاد لزيد اسمه الأول:" زيد بن حارثة".

**


والآن..

هل ترون هذه اقوات المسلمة الخارجة الى معارك، الطرف، أو العيص، وحسمي، وغيرها..

ان أميرها جميعا، هو زيد بن حارثة..

فهو كما سمعنا السيدة عائشة رضي الله عنها تقول:" لم يبعثه النبي صلى الله عليه وسلم في جيش قط، الا جعله أميرا هلى هذا الجيش"..


حتى جاءت غزوة مؤتة..

كان الروم بأمبراطوريتهم الهرمة، قد بدأوا يوجسون من الاسلام خيفة..بل صاروا يرون فيها خطرا يهدد وجودهم، ولا سيما في بلاد الشام التي يستعمرونها، والتي تتاخم بلاد هذا الدين الجديد، المنطلق في عنفوان واكتساح..

وهكذا راحوا يتخذون من الشام نقطة وثوب على الجزيرة العربية، وبلاد الاسلام...

**


وأدرك رسول الله صلى الله عليه وسلم هدف المناوشات التي بدأها الروم ليعجموا بها عود الاسلام، فقرر أن يبادرهم، ويقنعهم بتصميم الاسلام الى أرض البلقاء بالشام، حتى اذا بلغوا تخومها لقيتهم جيوش هرقل من الروم ومن القبائل المستعربة التي كانت تقطن الحدود..

ونزل جيش الروم في مكان يسمّى مشارف..

في حين نزل جيش الاسلام يجوار بلدة تسمّى مؤتة، حيث سمّيت الغزوة باسمها...

**


كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك أهمية هذه الغزوة وخطرها فاختار لها ثلاثة من الرهبان في الليل، والفرسان في النهار..

ثلاثة من الذين باعوا أنفسهم لله فلم يعد لهم مطمع ولا أمنية الا في استشهاد عظيم يصافحون اثره رضوان الله تعالى، ويطالعون وجهه الكريم..

وكان هؤلاء الثلاثة وفق ترتيبهم في امارة الجيش هم:

زيد بن حارثة،

جعفر بن أبي طالب،

عبدالله بن رواحة.

رضي الله عنهم وأرضاهم، ورضي الله عن الصحابوة أجمعين...

وهكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما وقف يودّع الجيش يلقي أمره السالف:

" عليكم زيد بن حارثة..

فان أصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب،...

فان أصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة"...

وعلى الرغم من أن جعفر بن أبي طالب كان من أقرب الناس الى قلب ابن عمّه رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وعلى الرغم من شجاعته، وجسارته، وحسبه ونسبه، فقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمير التالي لزيد، وجعل زيدا الأمير الأول للجيش...

وبمثل هذا، كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر دوما حقيقة أن الاسلام دين جديد جاء يلغي العلاقات الانسانية الفاسدة، والقائمة على أسس من التمايز الفارغ الباطل، لينشئ مكانها علاقات جديدة، رشيدة، قوامها انسانية الانسان...!!

**


ولكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ غيب المعركة المقبلة حين وضع امراء الجيش على هذا الترتيب: زيد فجعفر، فابن رواحة.. فقد لقوا ربّهم جميعا وفق هذا الترتيب أيضا..!!



ولم يكد المسلمون يطالعون جيش الروم الذي حزروه بمائتي ألف مقاتل حتى أذهلهم العدد الذي لم يكن لهم في حساب..

ولكن متى كانت معارك الايمان معارك كثرة..؟؟

هنالك أقدموا ولم يبالوا.. وأمامهم قائدهم زيد حاملا راية رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقتحما رماح العدو زنباله وسيوفه، لا يبحث عن النصر، بقدر ما يبحث عن المضجع الذي ترسو عنده صفقته مع الله الذي اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.

لم يكن زيد يرى حواليه رمال البلقاء، ولا جيوش الروم بل كانت روابي الجنة، ورفرفها الأخضر، تخفق أمام عينيه كالأعلام، تنبئه أن اليوم يوم زفافه..

وكان هو يضرب، ويقاتل، لا يطوّح رؤوس مقاتليه، انما يفتح الأبواب، ويفضّ الأغلاق التي تحول بينه وبين الباب الكبير الواسع، الي سيدلف منه الى دار السلام، وجنات الخلد، وجوار الله..


وعانق زيد مصيره...

وكانت روحه وهي في طريقها الى الجنة تبتسم محبورة وهي تبصر جثمان صاحبها، لا يلفه الحرير الناعم، بل يضخّمه دم طهور سال في سبيل الله..

ثم تتسع ابتساماتها المطمئنة الهانئة، وهي تبصر ثاني الأمراء جعفرا يندفع كالسهم صوب الراية ليتسلمها، وليحملها قبل أن تغيب في التراب....
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
بنصالح محمد
عضو ذهبي
عضو ذهبي
avatar

تاريخ التسجيل : 06/02/2010
عدد المساهمات : 942
نقاط : 15314

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 19 مايو 2010, 18:54

السلام عليكم..
شكرا اختنا بنت الشاطي على الشخصية الجديدة..وهي غنية عن التعريف..
ولست مستعدا الآن ان ان اضيف اي شيء فقد اكتفيت بما قرأت في ردك
جزاك الله خيرا
بنصالح محمد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الإثنين 27 ديسمبر 2010, 16:30

السلام عليكم
سيرة سعد وعامر أبناء أبي وقاص


إذا كانت بطولاتُ سعدٍ قد تجلَّت في القادسية، فإن أخاه عامرَ بنَ أبي وقاص تجلتْ بطولاتُه الكبرى في فتح بلاد الشام، وبخاصة معركة اليرموكُ وشهدت الأردن، التي يرقد جثمانه الطاهر في غورها بطولات هذا الصحابي الجليل.
تمزح الحلقة الحادية عشرة من "رجال حول الرسول" صلى الله عليه وسلم بين سيرة هذين الشقيقين اللذين جمع بينهما الإسلام والنسب، وارتقيا في الدفاع عن دين الإسلام ونشره في الأرض فكانا بحق من فرسان الإسلام العظام ورأس الحربة في فتوحاته الكبرى التي اهتدى بسببها أهل الشام والعراق إلى نور الله.

سعد بن أبي وقاص وسعدٌ من بَني زُهْرةِ إحدى بطون قريش الشهيرة، وهم أهلِ آمنةَ بنتِ وهب، أمِّ الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله يعتزُ بكونِ سعدٍ من أخواله فيقول: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله"
أسلم سعد وعامر في نفس الوقت، وكانا من أوائل الذين دخلوا في الإسلام. ومن ثبات عامر على دينه أن أمه أقسمتْ أن تَبقى تحتَ أشعةِ الشمس الحارقة، إلى أن يرتدَّ عن الإسلام لكنه أبى أن يفعل ذلك، وأصر على إسلامه، وأما سعد فقد نَضَجت شخصيةُ سعدٍ في الإسلام، بسبب ملازمتِه للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لم يفارق النبي منذ إسلامه، وكان من هيئةِ الشورى المقربةِ من رسول الله.
وبعد الهجرة إلى المدينة المنورة، تبلورت الشخصيةُ القيادية العسكرية لدى سعدٍ في السرايا الأولى التي سبقت غزوةَ بدر. واشتُهر بأنه أولُ رامٍ في الإسلام.
شارك سعدٌ في غزوة أحد. وعندما تفرَّق الناسُ في المعركة كان من المرابطين الصامدين المدافعين عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومع بروز قُدراتِه القياديةِ الفذة في الفتوحاتِ الأولى في عهد أبي بكرٍ ثُم عُمر، اختاره الفاروق قائدا للجيوش التي أرسلها إلى العراق لمواجهة الفُرْس.
ولإدراك عمرَ خطورةَ وصعوبةَ المواجهةِ المقبلة مع الفُرس شكَّل جيشاً محترفا من المقاتلين، وأوكل مَهمةِ إعدادِه لسعدِ بنِ أبي وقاص، ولم يخب ظن عمر فقد انتهت معركةُ القادسيةِ بنصرٍ عظيم، بعد أربعةِ أيامٍ من القتال الضاري، وقُتل رستم قائدُ الفرسِ في تلك المعركة. وكان لهذا النصرِ أثرُه الكبير على المسلمين وعلى الفُرْس الذين زالت دولتهم بعد ذلك إلى الأبد، بفعل الضرباتِ المتواصلة للمسلمين.
وعندما حضرت عُمَرَ الوفاةُ بعد أن طعنه أبو لؤلؤةَ المجوسي، جعل الأمر إلى ستةٍ من كبار الصحابة، كان أحدَهم سعدُ بنُ أبي وقاص. لكنَّ سعدا فيما بَعد عندما وقعت الفتنُ السياسية، اعتزلَ الحياةَ العامة، وأمَرَ أهلَه وأولاده ألاَّ يَنقلوا إليه شيئاً من أخبار تلك الفتن.
عاش سعدٌ بعد معركةِ القادسية أربعين سنة، وكُفَّ بصرُه في أواخرِ حياتِه، وكان آخرَ من مات من المهاجرين، ودفن في البقيع.
وأما عامر بن أبي وقاص فلم يَطُل به العُمُر كما طالَ بأخيه سعد، فبينما توفي سعدٌ في السنةِ الخامسة والخمسين للهجرة، فإن عامراً سبقَه إلى الآخرة بنحوِ أربعين سنة.
ورغم سني عمره القليلة إلا أنه كان صاحب أدوار قيادية في فتوحات بلاد الشام وكان من أبرز مساعدي أبي عبيدة في قيادة جيوشِ الفتح.

وقد ورد أنَّ عامرَ بنَ أبي وقاص كان في بعضِ مراحلِ فتوحاتِ بلاد الشام، يتولى نقلَ الرسائلِ بين أبي عبيدة، وبين أبي بكرٍ في المدينةِ المنورة.
لم يَرِدْ نصٌ قاطِعُ يؤكد سببَ وفاته، هل كان في معركةِ اليرموك في السنةِ الثالثةَ عشرةَ للهجرة، أم في طاعون عِمْواس في السنةِ الثامنةَ عشرة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الثلاثاء 28 ديسمبر 2010, 07:48

[b]
السلام عليكم
[/b]

بعد غياب الاخت بنت الشاطئ عن المنتدى سوف نحاول تكميل هذه الزاوية
رجال حول الرسول
شخصية اليوم خالد إبن الوليد

إن أمره لعجيب..!!

هذا الفاتك بالمسلمين يوم أحد والفاتك بأعداء الإسلام بقية الأيام..!!

ألا فلنأت على قصته من البداية..

ولكن أية بداية..؟؟

انه هو نفسه، لا يكاد يعرف لحياته بدءا الا ذلك اليوم الذي صافح فيه الرسول مبايعا..

ولو استطاع لنحّى عمره وحياته، كل ماسبق ذلك اليوم من سنين، وأيام..

فلنبدأ معه اذنمن حيث يحب.. من تلك اللحظة الباهرة التي خشع فيها قلبه لله، وتلقت روحه فيها لمسة من يمين الرحمن، وكلتا يديه يمي، فنفجّرت شوقا الى دينه، والى رسوله، والى استشهاد عظيم في سبيل الحق، ينضو عن كاهله أوزار مناصرته الباطل في أيامه الخاليات..

لقد خلا يوما الى نفسه، وأدار خواطره الرشيدة على الدين الجديد الذي تزداد راياته كل يوما تألقا وارتفاعا، وتمنّى على الله علام الغيوب أن يمدّ اليه من الهدى بسبب.. والتمعت في فؤاده الذكي بشائر اليقين، فقال:

" والله لقد استقام المنسم....

وان الرجل لرسول..

فحتى متى..؟؟

أذهب والله، فأسلم"..

ولنصغ اليه رضي الله عنه وهو يحدثنا عن مسيره المبارك الى رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعن رحلته من مكة الى المدينة ليأخذ مكانه في قافلة المؤمنين:

".. وددت لو أجد من أصاحب، فلقيت عثمان بن طلحة، فذكرت له الذي أريد فأسرع الاجابة، وخرجنا جميعا فأدلجنا سحرا.. فلما كنا بالسهل اذا عمرو بن العاص، فقال مرحبا يا قوم،

قلنا: وبك..

قال: أين مسيركم؟ فأخبرناه، وأخبرنا أيضا أنه يريد النبي ليُسلم.

فاصطحبنا حتى قدمنا المدينة أول يوم من صفر سنة ثمان..فلما اطّلعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمت عليه بالنبوّة فردّ على السلام بوجه طلق، فأسلمت وشهدت شهادة الحق..

فقال الرسول: " قد كنت أرى لك عقلا رجوت ألا يسلمك إلا الى خير "..

وبايعت رسول الله وقلت: استغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله..

فقال: " إن الإسلام يجبّ ما كان قبله.. "

قلت: يا رسول الله على ذلك..

فقال: " اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صدّ عن سبيلك "..

وتقدّم عمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة، فأسلما وبايعا رسول الله"...
أرأيتم قوله للرسول:" إستغفر لي كل ما أوضعت فيه من صدّ عن سبيل الله"..؟؟

ان الذي يضع هذه العبارة بصره، وبصيرته، سيهتدي الى فهم صحيح لسلك المواقف التي تشبه الألغاز في حياة سيف الله وبطل الإسلام ..

وعندما نبلغ تلك المواقف في قصة حياته ستكون هذه العبارة دليلنا لفهمها وتفسيرها-..

أما الآن، فمع خالد الذي أسلم لتوه لنرى فارس قريش وصاحب أعنّة الخيل فيها، لنرى داهية العرب كافة في دنيا الكرّ والفرّ، يعطي لآلهة أبائه وأمجاد قومه ظهره، ويستقبل مع الرسول والمسلمين عالما جديدا، كتب الله له أن ينهض تحت راية محمد وكلمة التوحيد..

مع خالد اذن وقد أسلم، لنرى من أمره عجبا..!!!!
أتذكرون أنباء الثلاثة شهداؤ أبطال معركة مؤتة..؟؟

لقد كانوا زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة..

لقد كانوا أبطال غزوة مؤتة بأرض الشام.. تلك الغزوة التي حشد لها الروم مائتي ألف مقاتل، والتي أبلى المسلمون فيها بلاء منقطع النظير..

وتذطرون العبارة الجليلة الآسية التي نعى بها الرسول صلى الله عليه وسلم قادة المعركة الثلاثة حين قال:

" أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا.

ثم أخذها جعفر فقاتل بها، حتى قتل شهيدا..

ثم أخذها عبدالله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا".

كان لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بقيّة، ادّخرناها لمكانها على هذه الصفحات..

هذه البقيّة هي:

" ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله علي يديه".

فمن كان هذا البطل..؟

لقد كان خالد بن الوليد.. الذي سارع الى غزوة مؤتة جنديا عاديا تحت قيادة القواد الثلاثة الذين جعلهم الرسول على الجيش: زيد، وجعفر وعبدالله ابن رواحة، والذين اساشهدوا بنفس الترتيب على ارض المعركة الضارية..

وبعد سقوط آخر القواد شهيدا، سارع الى اللواء ثابت بن أقوم فحمله بيمينه ورفعه عاليا وسط الجيش المسلم حتى لا بعثر الفوضى صفوفه..

ولم يكد ثابت يحمل الراية حتى توجه بها مسرعا الى خالد بن الوليد، قائلا له:

" خذ اللواء يا أبا سليمان"...

ولم يجد خالد من حقّه وهو حديث العهد بالإسلام أن يقود قوما فيهم الأنصار والمهاجرون الذين سبقوه بالإسلام ..

أدب وتواضع وعرفان ومزايا هو لها اهل وبها جدير!!

هنالك قال مجيبا ثابت بن أقرم:

" لا آخذ اللواء، أنت أحق به.. لك سن وقد شهدت بدرا"..

وأجابه ثابت:" خذه، فأنت أدرى بالقتال مني، ووالله ما أخذته الا لك".

ثم نادى في المسلمين: اترضون امرة خالد..؟

قالوا: نعم..

واعتلى العبقري جواده. ودفع الراية بيمينه الى الأمام كأنما يقرع أبوابها مغلقة آن لها أن تفتح على طريق طويل لاحب سيقطعه البطل وثبا..

في حياة الرسول وبعد مماته، حتى تبلغ المقادير بعبقريته الخارقة أمرا كان مقدورا...

ولّي خالد امارة الجيش بعد أن كان مصير المعركة قد تحدد. فضحايا المسلمين كثيرون، وجناهم مهيض.. وجيش الروم في كثرته الساحقة كاسح، ظافر مدمدم..

ولم يكن بوسع أية كفاية حربية أن تغير من المصير شيئا، فتجعل المغلوب غالبا، والغالب مغلوبا..

وكان العمل الوحيد الذي ينتظر عبقريا لكي ينجزه، هو وقف الخسائر في جيش الإسلام ، والخروج ببقيته سالما، أي الانسحاب الوقائي الذي يحول دون هلاك بقية القوة المقاتلة على أرض المعركة.

بيد أن انسحابا كهذا كان من الاستحالة بمكان..

ولكن، اذا كان صحيحا أنه لا مستحيل على القلب الشجاع فمن أشجع قلبا من خالد، ومن أروع عبقرية وأنفذ بصيرة..؟؟!

هنالك تقدم سيف الله يرمق أرض القتال الواسعة بعينين كعيني الصقر، ويدير الخطط في بديهته بسرعة الضوء.. ويقسم جيشه، والقتال دائر، الى مجموعات، ثم يكل الى كل مجموعة بمهامها.. وراح يستعمل فنّه المعجز ودهاءه البليغ حتى فتح في صفوف الروم ثغرة فسيحة واسعة، خرج منها جيش المسلمين كله سليما معافى. بعد أن نجا بسبب من عبقرية بطل الإسلام من كارثة ماحقة ما كان لها من زوال...!!

وفي هذه المعركة أنعم الرسول على خالد بهذا اللقب العظيم..

وتنكث قريش عهدها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيتحرك المسلمون تحت قيادته لفتح مكة..

وعلى الجناح الأيمن من الجيش، يجعل الرسول خالدا أميرا..

ويدخل خالد مكة، واحدا من قادة الجيش المسلم، والأمة المسلمة بعد أن شهدته سهولها وجبالها. قائدا من قوّاد جيش الوثنية والشرك زمنا طويلا..

وتخطر له ذكريات الطفولة، حيث مراتعها الحلوة.. وذكريات الشباب، حيث ملاهيه الصاخبة..

ثم تجيشه ذكريات الأيام الطويلة التي ضاع فيها عمره قربانا خاسرا لأصنام عاجزة كاسدة..

وقبل أن يعضّ الندم فؤاده ينتفض تحت تحت روعة المشهد وجلاله..

مشهد المستضعفين الذين لا تزال جسومهم تحمل آثار التعذيب والهول، يعودون الى البلد الذي أخرجوا منه بغيا وعدوا، يعودون اليه على صهوات جسادهم الصاهلة، وتحت رايات الإسلام الخافقة.. وقد تحوّل همسهم الذي كانوا يتناجون به في دار الأرقم بالأمس، الى تكبيرات صادعة رائعة ترجّ مكة رجّا، وتهليلات باهرة ظافرة، يبدو الكون معها، وكأنه كله في عيد...!!

كيف تمّت المعجزة..؟

أي تفسير لهذا الذي حدث؟

لا شيء الا هذه الآية التي يرددها الزاحفون الظافرون وسط تهليلاتهم وتكبيراتهم حتى ينظر بعضهم الى بعض فرحين قائلين:

) وعد الله.. لا يخلف الله وعده(..!!

ويرفع خالد رأسه الى أعلى. ويرمق في اجلال وغبطة وحبور رايات الإسلام تملأ الأفق.. فيقول لنفسه:

أجل انه وعد الله ولا يخلف الله وعده..!!

ثم يحني رأسه شاكرا نعمة ربه الذي هداه للاسلام وجعله في يوم الفتح العظيم هذا، واحدا من الذين يحملون راية الإسلام الى مكة.. وليس من الذين سيحملهم الفتح على الإسلام ..

ويظل خالد الى جانب رسول الله، واضعا كفاياته المتفوقة في خدمة الدين الذي آمن به من كل يقينه، ونذر له كل حياته.

وبعد أن يلحق الرسول بالرفيق الأعلى، ويحمل أبو بكر مسؤولية الخلافة، وتهبّ أعاصير الردّة غادرة ماكرة، مطوقة الدين الجديد بزئيرها المصمّ وانتفاضها المدمدم.. يضع أبو بكر عينه لأول وهلة على بطل الموقف ورجل الساعة.. ألي سليمان، سيف الله، خالد بن الوليد..!!

وصحيح أن أبا بكر لم يبدأ معارك المرتدين الا بجيش قاده هو بنفسه، ولكن ذلك لا يمنع أنه ادّخر خالدا ليوم الفصل، وأن خالدا في المعركة الفاصلة التي كانت أخطر معارك الردة جميعا، كان رجلها الفذ وبطلها الملهم..
عندما بدأت جموع المرتدين تتهيأ لانجاز مؤامرتها الضخمة، صمم الخليفة العظيم أبو بكر على أن يقود جيوش المسلمين بنفسه، ووقف زعماء الصحابة يبذلون محاولات يائسة لصده عن هذا العزم. ولكنه ازداد تصميما.. ولعله أراد بهذا أن يعطي القضية التي دعا الناس لخوض الحرب من أجلها أهميّة وقداسة، لا يؤكدها في رأيه الا اشتراكه الفعلي في المعارك الضارية التي ستدور رحاها بين قوى الايمان، وبين جيوش الضلال والردة، والا قيادته المباشرة لبعض أو لكل القوات المسلمة..

ولقد كانت انتفاضات الردة بالغة الخطورة، على الرغم من أنها بدأت وكأنها تمرّد عارض..

لقد وجد فيها جميع الموتورين من الإسلام والمتربصين به فرصتهم النادرة، سواء بين قبائل العرب، أم على الحدود، حيث يجثم سلطان الروم والفرس، هذا السلطان الذي بدأ يحسّ خطر الإسلام الأكبر عليه، فراح يدفع الفتنة في طريقه من وراء ستار..!!

ونشبت نيران الفتننة في قبائل: أسد، وغطفان، وعبس، وطيء، وذبيان..

ثم في قبائل: بني غامر، وهوزان، وسليم، وبني تميم..

ولم تكد المناوشات تبدأ حتى استحالت الى جيوش جرّارة قوامها عشرات الألوف من المقاتلين..

واستجاب للمؤامرة الرهيبة أهل البحرين، وعمان، والمهرة، وواجه الإسلام أخطر محنة، واشتعلت الأرض من حول المسلمين نارا.. ولكن، كان هناك أبو بكر..!!

عبّأ أبو بكر المسلمين وقادهم الى حيث كانت قبائل بني عبس، وبني مرّة، وذبيان قد خرجوا في جيش لجب..

ودار القتال، وتطاول، ثم كتب للمسلمين نصر مؤزر عظيم..

ولم يكد الجيش المنتصر يستقر بالمدينة. حتى ندبه الخليفة للمعركة التالية..

وكانت أنباء المرتدين وتجمّعاتهم تزداد كل ساعة خطورة .. وخرج أبو بكر على رأس هذا الجيش الثاني، ولكن كبار الصحابة يفرغ صبرهم، ويجمعون على بقاء الخليفة بالمدينة، ويعترض الامام علي طريق أبا بكر ويأخذ بزمام راحلته التي كان يركبها وهو ماض امام جيشه الزاحف فيقول له:

" الى أين يا خليفة رسول الله..؟؟

اني أقول لك ما قاله رسول الله يوم أحد:

لمّ سيفك يا أبا بكر لا تفجعنا بنفسك..."

وأمام اجماع مصمم من المسلمين، رضي الخليفة أن يبقى بالمدينة وقسّم الجيش الى احدى عشرة مجموعة.. رسم لكل مجموعة دورها..

وعلى مجموعة ضخمة من تلك المجموعات كان خالد بن الوليد أميرا..

ولما عقد الخليفة لكل أمير لواءه، اتجه صوب خالد وقال يخاطبه:

" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم عبدالله. وأخو العشيرة، خالد ابن الوليد، سيف من سيوف الله. سلّه الله على الكفار والمنافقين"..

ومضى خالد الى سبيله ينتقل بجيشه من معركة الى معركة، ومن نصر الى مصر حتى كانت المعركة الفاصلة..

فهناك باليمامة كان بنو حنيفة، ومن انحاز اليهم من القبائل، قد جيّشوا أخطر جيوش الردو قاطبة، يقوده مسيلمة الكذاب.

وكانت بعض القوات المسلمة قد جرّبت حظها مع جيوش مسيلمة، فلم تبلغ منه منالا..

وجاء أمر الخليفة الى قائده المظفر أن سر الى بني حنيفة.. وسار خالد..

ولم يكد مسيلمة يعلم أن ابن الوليد في الطريق اليه حتى أعاد تنظيم جيشه، وجعل منه خطرا حقيقيا، وخصما رهيبا..

والتقى الجيشان:

وحين تطالع في كتب السيرة والتاريخ، سير تلك المعركة الهائلة، تأخذك رهبة مضنية، اذ تجد نفسك أمام معركة تشبه في ضراوتها زجبروتها معارك حروبنا الحديثة، وان تلّفت في نوع السلاح وظروف القتال..

ونزل خالد بجيشه على كثيب مشرف على اليمامة، وأقبل مسيلمة في خيلائه وبغيه، صفوف جيشه من الكثرة كأنها لا تؤذن بانتهاء..!!

وسّلم خالد الألوية والرايات لقادة جيشه، والتحم الجيشان ودار القتال الرهيب، وسقط شهداء المسلمين تباعا كزهور حديقة طوّحت بها عاصفة عنيدة..!!

وأبصر خالد رجحان كفة الأعداء، فاعتلى بجواده ربوة قريبة وألقى على المعركة نظرة سريعة، ذكية وعميقة..

ومن فوره أدرك نقاط الضعف في جيشه وأحصاها..

رأى الشعور بالمسؤولية قد وهن تحت وقع المفاجأة التي دهمهم بها جيش مسيلمة، فقرر في نفس اللحظة أن يشدّ في أفئدة المسلمين جميعا الى أقصاه.. فمضى ينادي اليه فيالق جيشه وأجنحته، وأعاد تنسيق مواقعه على أرض المعركة، ثم صاح بصوته المنتصر:

" امتازوا، لنرى اليوم بلاء كل حيّ".

وامتازوا جميعا..

مضى المهاجرون تحت راياتهم، والأنصار تحت رايتهم " وكل بني أب على رايتهم".

وهكذا صار واضحا تماما، من أين تجيء الهزيمة حين تجيء واشتعلت الأنفس حماسة، اتّقدت مضاء، وامتلأت عزما وروعة..

وخالد بين الحين والحين، يرسل تكبيرة أو تهليلة أو صيحة يلقى بها امرا، فتتحوّل سيوف جيشه الى مقادير لا رادّ لأمرها، ولا معوّق لغاياتها..

وفي دقائق معدودة تحوّل اتجاه المعركة وراح جنود مسيلمة يتساقطون بالعشرات، فالمئات فالألوف، كذباب خنقت أنفاس الحياة فيه نفثات مطهر صاعق مبيد..!!

لقد نقل خالد حماسته كالكهرباء الى جنوده، وحلّت روحه في جيشه جميعا.. وتلك كانت احدى خصال عبقريّته الباهرة..

وهكذا سارت أخطر معارك الردة وأعنف حروبها، وقتل مسيلمة..

وملأت جثث رجاله وجيشه أرض القتال، وطويت تحت التراب الى الأبد راية الدّعيّ الكذاب..

وفي المدينة صلى الخليفة لربه الكبير المتعال صلاة الشكر، اذ منحهم هذا النصر، وهذا البطل..

وكان أبو بكر قد أدرك بفطنته وبصيرته ما لقوى الشر الجاثمة وراء حدود بلاده من دور خطير في تهديد مصير الإسلام واهله.. الفرس في العراق.. والروم في بلاد الشام..

امبرطوريتان خرعتان، تتشبثان بخيوط واهنة من حظوظهما الغاربة وتسومان الناس في العراق وفي الشام سوء العذاب، بل وتسخرهم، وأكثرهم عرب، لقتال المسلمين العرب الذين يحملون راية الدين الجديدة، يضربون بمعاوله قلاع العالم القديم كله، ويجتثون عفنه وفساده..!

هنالك أرسل الخليفة العظيم المبارك توجيهاته الى خالد أن يمضي بجيشه صوب العراق..

ويمضي البطل الى العراق، وليت هذه الصفحات كانت تتسع لتتبع مواكب نصره، اذن لرأينا من أمرها عجبا.

لقد استهلّ عمله في العراق بكتب أرسلها الى جميع ولاة كسرى ونوابه على ألوية العراق ومدائنه..

" بسم الله الرحمن الرحيم

من خالد بن الوليد.. الى مرازبة فارس..

يلام على من اتبع الهدى

أما بعد، فالحمد لله الذي فضّ خدمكم، وسلب ملككم، ووهّن كيدكم

من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، واكل ذبيحتنا فذلكم المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا

اذا جاءكم كتابي فابعثوا اليّ بالرهن واعتقدوا مني الذمّة

والا، فوالذي لا اله غيره لأبعثن اليكم قوما يحبون الموت كما تحبون الحياة"..!!

وجاءته طلائعه التي بثها في كل مكان بأنباء الزّخوف الكثيرة التي يعدها له قوّاد الفرس في العراق، فلم يضيّع وقته، وراح يقذف بجنوده على الباطل ليدمغه.. وطويت له الأرض طيّا عجيبا.

في الأبلّة، الى السّدير، فالنّجف، الى الحيرة، فالأنبار، فالكاظمية. مواكب نصر تتبعها مواكب... وفي كل مكان تهلّ به رياحه البشريات ترتفع للاسلام راية يأوي الى فيئها الضعفاء والمستعبدون.

أجل، الضعفاء والمستعبدون من أهل البلد الذين كان الفرس يستعمرونهم، ويسومونهم سوء العذاب..

وكم كان رائعا من خالد أن بدأ زحفه بأمر أصدره الى جميع قوّاته:

" لا تتعرّضوا للفلاحين بسوء، دعوهم في شغلهم آمنين، الا أن يخرج بعضهم لقتالكم، فآنئذ قاتلوا المقاتلين".

وسار بجيشه الظافر كالسكين في الزبد الطريّ حتى وقف على تخوم الشام..

وهناك دوّت أصوات المؤذنين، وتكبيرات الفاتحين.

ترى هل سمع الروم في الشام..؟

وهل تبيّنوا في هذه التكبيرات نعي أيامهم، وعالمهم..؟

أجل لقد سمعوا.. وفزّعوا.. وقرّروا أن يخوضوا في حنون معركة اليأس والضياع..!



تابع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 29 ديسمبر 2010, 03:41

السلام عليكم
سنتابع إنشاء الله حياة سيف الله

خالد بن الوليد

كان النصر الذي أحرزه الإسلام على الفرس في العراق بشيرا بنصر مثله على الروم في الشام..

فجنّد الصدّيق أبو بكر جيوشا عديدة، واختار لامارتها نفرا من القادة المهرة، أبو عبيدة بن الجراح، وعمرو بن العاص، ويزيد بن أبي سفيان، ثم معاوية بن أبي سفيان..

وعندما نمت أخبار هذه الجيوش الى امبراطور الروم نصح وزراءه وقوّاده بمصالحة المسلمين، وعدم الدخول معهم في حرب خاسرة..

بيد أن وزراءه وقوّاده أصرّوا على القتال وقالوا:

" والله لنشغلنّ أبا بكر على أن يورد خيله الى أرضنا"..

وأعدوا للقتال جيشا بلغ قوامه مائتي ألف مقاتل، وأ{بعين ألفا.

وأرسل قادة المسلمين الى الخليفة بالصورة الرهيبة للموقف فقال أبو بكر:

" والله لأشفينّ وساوسهم بخالد"..!!!

وتلقى ترياق الوساوس.. وساوس التمرّد والعدوان والشرك، تلقى أمر الخليفة بالزحف الى الشام، ليكون أميرا على جيوش الإسلام التي سبقته اليها..

وما اسرع ما امتثل خالد وأطلع، فترك على العراق المثنّى بن الحارثة وسار مع قواته التي اختارها حتى وصل مواقع المسلمين بأرض الشام، وأنجز بعبقريته الباهرة تنظيم الجيش المسلم وتنسيق مواقعه في وقت وجيز، وبين يدي المعركة واللقاء، وقف في المقاتلين خطيبا فقال بعد أن حمد ربه وأثنى عليه:

" ان هذا يوم من أيام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..

أخلصوا جهادكم وأريدوا الله بعملكم، وتعالوا نتعاور الامارة، فيكون أحدنا اليوم أميرا، والآخر غدا، والآخر بعد غد، حتى يتأمّر كلكم"...

هذا يوم من أيام الله..

ما أروعها من بداية..!!

لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي..

وهذه أكثر روعة وأوفى ورعا!!

ولم تنقص القائد العظيم الفطنة المفعمة بالايثار، فعلى الرغممن أن الخليفة وضعه على رأس الجيش بكل أمرائه، فانه لم يشا أن يكون عونا للشيطان على أنفس أصحابه، فتنازل لهم عن حقه الدائم في الامارة وجعلها دولة بينهم..

اليوم أمير، ودغا أمي رثان.. وبعد غد أمير آخر..وهكذا..

كان جيش الروم بأعداده وبعتاده، شيئا بالغ الرهبة..

لقد أدرك قوّاد الروم أن الزمن في صالح المسلمين، وأن تطاول القتال وتكاثر المعارك يهيئان لهم النصر دائما، من أجل ذلك قرروا أن يحشدوا كل قواهم في معركة واحدة يجهزون خلالها على العرب حيث لا يبقى لهم بعدها وجود، وما من شك أن المسلمين أحسّوا يوم ذاك من الرهبة والخطر ما ملأ نفوسهم المقدامة قلقا وخوفا..

ولكن ايمانهم كان يخفّ لخدمتهم في مثل تلك الظلمات الحالكات، فاذا فجر الأمل والنصر يغمرهم بسناه..!!
ومهما يكن بأس الروم وجيوشهم، فقد قال أبو بكر، وهو بالرجال جدّ خبير:

" خالد لها".!!

وقال:" والله، لأشفينّ وساوسهم بخالد".

فليأت الروم بكل هولهم، فمع المسلمين الترياق..!!

عبأ ابن الوليد جيشه، وقسمه الى فيالق، ووضع للهجوم والدفاع خطة جديدة تتناسب مع طريقة الروم بعد أن خبر وسائل اخوانهم الفرس في العراق.. ورسم للمعركة كل مقاديرها..

ومن عجب أن المعركة دارت كما رسم خالد وتوقع، خطوة خطوة، وحركة حركة، حتى ليبدو وكأنه لو تنبأ بعدد ضربات السيوف في المعركة، لما أخطأ التقدير والحساب..!!

كل مناورة توقعها من الروم صنعوها..

كا انسحاب تنبأ به فعلوه..

وقبل أن يخوض القتال كان يشغل باله قليلا، احتمال قيام بعض جنود جيشه بالفرار، خاصة أولئك الذين هم حديثو العهد بالإسلام ، بعد أن رأى ما ألقاه منظر جيش الروم من رهبة وجزع..

وكان خالد يتمثل عبقرية النصر في شيء واحد، هو الثبات..

وكان يرى أن حركة هروب يقوم بها اثنان أو ثلاثة، يمكن أن تشيع في الجيش من الهلع والتمزق ما لا يقدر عليه جيش العدو بأسره...

من أجل هذا، كان صارما، تجاه الذي يلقي سلاحه ويولي هاربا..

وفي تلك الموقعة بالذات موقعة اليرموك، وبعد أن أخذ جيشه مواقعه، دعا نساء المسلمين، ولأول مرّة سلّمهن السيوف، وأمرهن، بالوقوف وراء صفوف المسلمين من كل جانب وقال لهن:

" من يولّي هاربا فاقتلنه"..

وكانت لفتة بارعة أدت مهمتها على أحسن وجه..!!

وقبيل بدء القتال طلب قائد الروم أن يبرز اليه خالد ليقول له بضع كلمات ..

وبرز اليه خالد، حيث تواجها فوق جواديهما في الفراغ الفاصل بين الجيشين..

وقال ماهان قائد الروم يخاطب خالدا"

" قد علمنا أنه لم يخرجكم من بلادكم الا الجوع والجهد..

فان شئتم، أعطيت كل واحد منكم عشرة دنانير، وكسوة، وطعاما، وترجعون الى بلادكم، وفي العام القادم أبعث اليكم بمثلها".!!

وضغط خالد الرجل والبطل على أسنانه، وأدرك ما في كلمات قائد الروم من سوء الأدب..

وقرر أن يردذ عليه بجواب مناسب، فقال له:

" انه لم يخرجنا من بلادنا الجوع كما ذكرت، ولكننا قوم نشرب الدماء، وقد علمت أنه لا دم أشهى وأطيب من دم الروم، فجئنا لذلك"..!!

ولوة البطل زمام جواده عائدا الى صفوف جيشه. ورفع اللواء عاليا مؤذنا بالقتال..

" الله أكبر"

" هبّي رياح الجنة"..

كان جيشه يندفع كالقذيفة المصبوبة.

ودار قتال ليس لضراوته نظير..

وأقبل الروم في فيالق كالجبال..

وبجا لهم من المسلمين ما لم يكونوا يحتسبون..

ورسم المسلمون صورا تبهر الألباب من فدائيتهم وثباتهم..

فهذا أحدهم يقترب من أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه والقتال دائر ويقول:

" اني قد عزمت على الشهادة، فهل لك من حاجة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغها له حين ألقاه"؟؟

فيجيب أبو عبيدة:

" نعم قل له: يا رسول الله انا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا".

ويندفع الرجل كالسهم المقذوف.. يندفع وسط الهول مشتاقا الى مصرعه ومضجعه.. يضرب بسيفه، ويضرب بآلاف السيوف حتى يرتفع شهيدا..!!

وهذا عكرمة بن أبي جهل..

أجل ابن أبي جهل..

ينادي في المسلمين حين ثقلت وطأة الروم عليهم قائلا:

" لطالما قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهدني الله الإسلام ، افأفرّ من أعداء الله اليوم"؟؟

ثم يصيح:" من يبايع على الموت"..

فيبايعه على الموت كوكبة من المسلمين، ثم ينطلقون معا الى قلب المعركة لا باحثين عن النصر، بل عن الشهادة.. ويتقبّل الله بيعتهم وبيعهم،

فيستشهدون..!!

وهؤلاء آخرون أصيبوا بجراح أليمة، وجيء لهم بماء يبللون به أفواههم، فلما قدم الماء الى أولهم، أشار الى الساقي أن أعط أخي الذي بجواري فجرحه أخطر، وظمؤه أشد.. فلما قدّم اليه الامء، اشار بدوره لجاره. فلا انتقل اليه أشار بدوره لجاره..

وهكذا، حتى.. جادت أرواح أكثرهم ظامئة.. ولكن أنضر ما تكون تفانيا وايثارا..!!

أجل..

لقد كانت معركة اليرموك مجالا لفدائية يعز نظيرها.

ومن بين لوحات الفداء الباهرة التي رسمتها عزمات مقدرة، تلك اللوحة الفذة.. لوحة تحمل صورة خالد بن الوليد على رأس مائة لا غير من جنده، ينقضّون على ميسرة الروم وعددها أربعون ألف جندي، وخالد يصيح في المائة الذين معه:

" والذي نفسي بيده ما بقي مع الروم من الصبر والجلد الا ما رأيتم.

واني لأرجو أن يمنحكم الله أكتافهم".

مائة يخوضون في أربعين ألف.. ثم ينتصرون..!!

ولكن أي عجب؟؟

أليس مالء قلوبهم ايمان بالله العلي الكبير..؟؟

وايمان برسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم؟؟

وايمان بقضية هي أكثر قضايا الحياة برا، وهدى ونبلا؟

وأليس خليفتهم الصديق رضي الله عنه، هذا الذي ترتفع راياته فوق الدنيا، بينما هو في المدينة’ العاصمة الجديدة للعالم الجديد، يحلب بيده شياه الأيامى، ويعجن بيده خبز اليتامى..؟؟

وأليس قائدهم خالد بن الوليد ترياق وساوس التجبر، والصفلف، والبغي، والعدوان، وسيف الله المسلول على قوى التخلّف والتعفّن والشرك؟؟

أليس ذلك، كذلك..؟

اذن، هبي رياح النصر...

هبّي قويّة عزيزة، ظافرة، قاهرة...

لقد بهرت عبقرية خالد قوّاد الروم وأمراء جيشهم، مما حمل أحدهم، واسمه جرجح على أن يدعو خالدا للبروز اليه في احدى فترات الراحة بين القتال.

وحين يلتقيان، يوجه القائد الرومي حديثه الى خالد قائلا:

" يا خالد، أصدقني ولا تكذبني فان الحرّ لا يكذب..

هل أنزل على نبيّكم سيفا من السماء فأعطاك ايّاه، فلا تسلّه على أحد الا هزمته"؟؟

قال خالد: لا..

قال الرجل:

فبم سميّت يبف الله"؟

قال خالد: ان الله بعث فينا نبيه، فمنا من صدّقه ومنا من كذّب.ز وكنت فيمن كذّب حتى أخذ الله قلوبنا الى الإسلام ، وهدانا برسوله فبايعناه..

فدعا لي الرسول، وقال لي: أنت سيف من سيوف الله، فهكذا سميّت.. سيف الله".

قال القائد الرومي: والام تدعون..؟

قال خالد:

الى توحيد الله، والى الإسلام .

قال:

هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكممن المثوبة والأجر؟

قال خالد: نعم وأفضل..

قال الرجل: كيف وقد سبقتموه..؟

قال خالد:

لقد عشنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأينا آياته ومعجزاته وحق لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا أن يسلم في يسر..

أما أنتم يا من لم تروه ولم تسمعوه، ثم آمنتم بالغيب، فان أجركم أجزل وأكبر اا صدقتم الله سرائركم ونواياكم.

وصاح القائد الرومي، وقد دفع جواده الى ناحية خالد، ووقف بجواره:

علمني الإسلام يا خالد"".!!!

وأسلم وصلى ركعتين لله عز وجل.. لم يصلّ سواهما، فقد استأنف الجيشان القتال.. وقاتل جرجه الروماني في صفوف المسلمين مستيتا في طلب لبشهادة حتى نالها وظفر بها..!!

وبعد، فها نحن أولاء نواجه العظمة الانسانية في مشهد من أبهى مشاهدها.. اذ كان خالد يقود جيوش المسلمين في هذه المعركة الضارية، ويستلّ النصر من بين أنياب الروم استلالا فذا، بقدر ما هو مضن ورهيب، واذا به يفاجأ بالبريد القادم من المدينة من الخليقة الجديد، أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.. وفيه تحيّة الفاروق للجيش المسلم، نعيه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وتولية أبي عبيدة بن الجرّاح مكانه..

قرأ خالد الكتاب، وهمهم بابتهالات الترحّم على ابي بكر والتوفيق لعمر..

ثم طلب من حامل الكتاب ألا يبوح لأحد بما فيه وألزمه مكانه أمره ألا يغادره، وألا يتصل بأحد.

استأنف قيادته للمعركة مخفيا موت أبي بكر، وأوامر عمر حتى يتحقق النصر الذي بات وشيكا وقريبا..

ودقّت ساعة الظفر، واندحر الروم..

وتقدّم البطل من أبي عبيدة مؤديا اليه تحيّة الجندي لقائده... وظنها أبو عبيدة في أول الأمر دعابة من دعابات القائد الذي حققق نصرا لم يكن في السحبان.. بيد أنه ما فتئ أن رآها حقيقة وجدّا، فقبّل خالد بين عينيه، وراح يطري عظمة نفسه وسجاياه..

وثمّت رواية تاريخية أخرى، تقول: ان الكتاب أرسل من أمير المؤمنين عمر الى أبي عبيدة، وكتم أبو عبيدة النبأ عن خالد حتى انتهت المعركة..

وسواء كان الأمر هذا أو ذاك، فان مسلك خالد في كلتا الحالتين هو الذي يعنينا.. ولقد كان مسلكا بالغ الروعة والعظمة والجلال..

ولا أعرف في حياة خالد كلها موقفا ينبئ باخلاصه العميق وصدقه الوثيق، مثل هذا الموقف...

فسواء عليه أن يكون أميرا، أو جنديا..

ان الامارة كالجندية، كلاهما سبب يؤدي به واجبه نحو الله الذي آمن به، ونحو الرسول الذي بايعه، ونحو الدين الذي اعتنقه وسار تحت رايته..

وجهده المبذول وهو أمير مطاع.. كجهده المبذول وهو جندي مطيع..!

ولقد هيأ له هذا الانتصار العظيم على النفس، كما هيأه لغيره، طراز الخلفاء الذين كانوا على راس الأمة المسلمة والدولة المسلمة يوم ذاك..

أبو بكر وعمر..

اسمان لا يكاد يتحرّك بهما لسان، حتى يخطر على البال كل معجز من فضائل الانسان، وعظمة الانسان..

وعلى الرغم من الودّ الذي كان مفقودا أحيانا بين عمر وخالد، فان نزاهة عمر وعدله،وورعه وعظمته الخارقة، لم تكن قط موضع تساؤول لدى خالد..

ومن ثم لم تكن قراراته موضع سك، لأن الضمير الذي يمليها، قد بلغ من الورع، ومن الاستقامة، ومن الاخلاص والصدق أقصى ما يبلغه ضمير منزه ورشيد..

لم يكن أمير المؤمنين عمر يأخذ على خالد من سوء، ولكنه كان يأخذ على سيفه التسرّع، والحدّة..

ولقد عبّر عن هذا حين اقترح على أبي بكر عزله اثر مقتل مالك بن نويرة، فقال:

" ان في سيف خالد رهقا"

أي خفة وحدّة وتسرّع..

فأجابه الصدّيق قائلا:

" ما كنت لأشيم سيف سلّه الله على الكافرين".

لم يقل عمر ان في خالد رهقا.. بل جعل الرهق لسيفه لا لشخصه، وهي كلمات لا تنمّ عن أدب أمير المؤمنين فحسب، بل وعن تقديره لخالد أيضا..

وخالد رجل حرب من المهد الى اللحد..

فبيئته، ونشأته، وتربيته وحياه كلها، قبل الإسلام وبعده كانت كلها وعاء لفارس، مخاطر، داهية..

ثم ان الحاح ماضيه قبل السلام، والحروب التي خاضها ضد الرسول وأصحابه، والضربات التي أسقط بها سيفه أيام الشرك رؤوسا مؤمنة، وجباها عابدة، كل هذا كان له على ضميره ثقل مبهظ، جعل سيفه توّاقا الى أن يطوّح من دعامات الشرك أضعاف ما طوّح من حملة الإسلام ..

وانكم لتذكرون العبارة التي أوردناها أوّل هذا الحديث والتي جاءت في سياق حديثه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ قال له:

" يا رسول الله..

استغفر لي كل ما أوضعت فيه عن صدّ عن سبيل الله".

وعلى الرغم من انباء الرسول صلى الله عليه وسلم اياه، بأن الإسلام يجبّ ما كان قبله، فانه يظل يتوسل على الظفر بعهد من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يستغفر الله له فيما صنعت من قبل يداه..

والسيف حين يكون في يد فارس خارق كخالد بن الوليد، ثم يحرّك اليد القابضة عليه ضمير منوهج بحرارة التطهر والتعويض، ومفعم بولاء مطلق لدين تحيط به المؤمرات والعداوات، فان من الصعب على هذا السيف أن يتخلى عن مبادئه الصارمة، وحدّته الخاطفة..

وهكذا رأينا سيف خالد يسبب لصاحبه المتاعب.

فحين أرسله النبي عليه الصلاة والسلام بعد الفتح الى بعض قبائل العرب القريبة من مكة، وقال له:

" اني أبعثك داعيا لا مقاتلا".

غلبه سيفه على أمره ودفعه الى دور المقاتل.. متخليا عن دور الداعي الذي أوصاه به الرسول مما جعله عليه السلام ينتفض جزعا وألما حين بلفه صنيع خالد.. وقام مستقبلا القبلة، رافعا يديه، ومعتذرا الى الله بقوله:

" اللهم اني أبرأ اليك مما صنع خالد".

ثم أرسل عليّا فودى لهم دماءهم وأموالهم.

وقيل ان خالدا اعتذر عن نفسه بأن عبدالله بن حذافة السهمي قال له:

ان رسول الله قد أمرك بقتالهم لامتناعهم عن الإسلام ..

كان خالد يحمل طاقة غير عادية.. وكان يستبد به توق عارم الى هدم عالمه القديم كله..

ولو أننا نبصره وهو يهدم صنم العزّى الذي أرسله النبي لهدمه.

لو أننا نبصره وهو يدمدم بمعوله على هذه البناية الحجرية، لأبصرنا رجلا يبدو كأنه يقاتل جيشا بأسره، يطوّح رؤوس أفرداه ويتبر بالمنايا صفوفه.

فهو يضرب بيمينه، وبشماله، وبقدمه، ويصيح في الشظايا المتناثرة، والتراب المتساقط:

" يا عزّى كفرانك، لا سبحانك

اني رأيت الله قد أهانك"..!!

ثم يحرقها ويشعل النيران في ترابها..!

كانت كل مظاهر الشرك وبقاياه في نظر خالد كالعزّى لا مكان لها في العالم الجديد الذي وقف خالد تحت أعلامه..

ولا يعرف خالد أداة لتصفيتها الا سيفه..

والا.." كفرانك لا سبحانك..

اني رأيت الله قد أهانك"..!!

على أننا اذ نتمنى مع أمير المؤمنين عمر، لوخلا سيف خالد من هذا الرهق، فاننا سنظل نردد مع أمير المؤمنين قوله:

" عجزت النساء أن يلدن مثل خالد"..!!

لقد بكاه عمر يوم مات بكاء كثيرا، وعلم الانس فيما بعد أنه لم يكن يبكي فقده وحسب، بل ويبكي فرصة أضاعها الموت عن عمر اذ كان يعتزم رد الامارة الى خالد بعد أن زال افتتان الناس به. ومحصت أسباب عزله، لولا أن تداركه الموت وسارع خالد الى لقاء ربه.

نعم سارع البطل العظيم الى مثواه في الجنة..

أما آن له أن يستريح..؟؟ هو الذي لم تشهد الأرض عدوّا للراحة مثله..؟؟

أما آن لجسده المجهد أن ينام قليلا..؟؟ هو الذي كان يصفه أصحابه وأعداؤه بأنه:

" الرجل الذي لا ينام ولا يترك أحدا ينام"..؟؟

أما هو، فلو خيّر لاختار أن يمدّ الله له في عمره مزيدا من الوقت يواصل فيه هدم البقايا المتعفنة القديمة، ويتابع عمله وجهاده في سبيل الله والإسلام ..

ان روح هذا الرجل وريحانه ليوجدان دائما وابدا، حيث تصهل الخيل، وتلتمع الأسنّة، وتخفق رايات التوحيد فوق الجيوش المسلمة..

وأنه ليقول:

" ما ليلة يهدى اليّ فيها عروس، أو أبشّر فيها بوليد، بأحبّ اليّ من ليلة شديدة الجليد، في سريّة من المهاجرين، أصبح بهم المشركين"..

من أجل ذلك، كانت مأساة حياته أن يموت في فراشه، وهو الذي قضى حياته كلها فوق ظهر جواده، وتحت بريق سيفه...

هو الذي غزا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقهر أصحاب الردّة، وسوّى بالتراب عرش فارس والروم، وقطع الأرض وثبا، في العراق خطوة خطوة، حتى فتحها للاسلام، وفي بلاد الشام خطوة خطوة حتى فتحها كلها للاسلام...

أميرا يحملشظف الجندي وتواضعه.. وجنديا يحمل مسؤولية الأمير وقدوته..

كانت مأساة حياة البطل أن يموت البطل على فراشه..!!

هنالك قال ودموعه تنثال من عينيه:

" لقد شهدت كذا، وكذا زحفا، وما في جسدي موضع الا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، أ، رمية سهم..

ثم هأنذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء"..!

كلمات لا يجيد النطق بها في مثل هذا الموطن، الا مثل هذا الرجل، وحين كان يستقبل لحظات الرحيل، شرع يملي وصيّته..

أتجرون الى من أوصى..؟

الى عمر بن الخطاب ذاته..!!

أتدرون ما تركته..؟

فرسه وسلاحه..!!

ثم ماذا؟؟

لا شيء قط ، مما يقتني الناس ويمتلكون..!!

ذلك أنه لم يكن يستحزذ عليه وهو حيّ، سوى اقتناء النصر وامتلاك الظفر على أعداء الحق.

وما كان في متاع الدنيا جميعه ما يستحوذ على حرصه..

شيء واحد، كان يحرص عليه في شغف واستماتة.. تلك هي قلنسوته"..

سقطت منه يوم اليرموك. فأضنى نفسه والناس في البحث عنها.. فلما عوتب في ذلك قال:

" ان فيها بعضا من شعر ناصية رسول الله واني أتافاءل بها، وأستنصر".

وأخيرا، خرج جثمان البطل من داره محمولا على أعناق أصحابه ورمقته أم البطل الراحل بعينين اختلط فيهما بريق العزم بغاشية الحزن فقالت تودّعه:

أنت خيـر من ألف ألف من القو م اذا ما كبت وجوه الرجـال

أشجـاع..؟ فأنت أشجع من ليـ ـث غضنفر يذود عن أشبال

أجـواد..؟ فأنت أجود من سيـ ـل غامر يسيل بين الجبـال

وسمعها عمر فازداد قلبه خفقا.. ودمعه دفقا.. وقال:

" صدقت..

والله ان كان لكذلك".

وثوى البطل في مرقده..

ووقف أصحابه في خشوع، والدنيا من حولهم هاجعة، خاشعة، صامتة..

لم يقطع الصمت المهيب سوى صهيل فرس جاءت تركض بعد أن خلعت رسنها، وقطعت شوارع المدينة وثبا وراء جثمان صاحبها، يقودها عبيره وأريجه..

واذ بلغت الجمع الصامت والقبر الرطب لوت برأسها كالراية، وصهيلها يصدح.. تماما مثلما كانت تصنع والبطل فوق ظهرها، يهدّ عروش فارس والروم، ويشفي وساوس الوثنية والبغي، ويزيح من طريق الإسلام كل قوى التقهقر والشرك...

وراحت وعيناها على القبر لا تزيغان تعلو برأسها وتهبط، ملوّحة لسيدها وبطلها مؤدية له تحية الوداع..!!

ثم مقفت ساكنة ورأسها مرتفع.. وجبهتها عالية.. ولكن من آقيها تسيل دموع غزار وكبار..!!

لقد وقفها خالد مع سلاحه في سبيل الله..

ولكن هل سيقدر فارس على أن يمتطي صهوتها بعد خالد..؟؟

وهل ستذلل ظهرها لأحد سواه..؟؟

ايه يا بطل كل نصر..

ويا فجر كل ليلة..

لقد كنت تعلو بروح جيشك على أهوال الزحف بقولك لجندك:

" عند الصباح يحمد القوم السرى"..

حتى ذهبت عنك مثلا..

وهأنتذا، قد أتممت مسراك..

فلصباحك الحمد أبا سليمان..!!

ولذكراك المجد، والعطر، والخلد، يا خالد..!!

ودعنا.. نردد مع أمير المؤمنين عمر كلماته العذاب الرطاب التي ودّعك بها ورثاك:

" رحم الله أبا سليمان

ما عند الله خير مما كان فيه

ولقد عاش حميدا

ومات سعيدا


الشكر لخالد محمد خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald asahal
عضو مشارك
عضو مشارك


تاريخ التسجيل : 24/12/2010
عدد المساهمات : 42
نقاط : 12722

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 29 ديسمبر 2010, 06:29

جزاك الله خيــــــــــــــــــــــــــــــــــرا
وبارك الله فيــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 30 ديسمبر 2010, 07:10

السلام عليكم

شكرا اخي على المرور العطر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 30 ديسمبر 2010, 07:36

السلام عليكم


الزبير بن العوّام



لا يجيء ذكر طلحة الا ويذكر الزبير معه..

ولا يجيء ذكر الزبير الا ويذكر طلحة معه..

فحين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤاخي بين أصحابه في مكة قبل الهجرة، آخى بين طلحة والزبير.

وطالما كان عليه السلام يتحدث عنهما معا.. مثل قوله:

" طلحة والزبير جاراي في الجنة".

وكلاهما يجتمع مع الرسول في القرابة والنسب.

أما طلحة، فيجتمع في نسبه مع الرسول في مرة بن كعب.

وأما الزبير، فيلتقي في نسبه مع الرسول في قصّي بن كلاّب كما أن أمه صفية عمة الرسول صلى الله عليه وسلم..

وكل منهما طلحة والزبير كان أكثر الناس شبها بالآخر في مقادير الحياة..

فالتماثل بينهما كبير، في النشأة، في الثراء، في السخاء، في قوة الدين، في روعة الشجاعة، وكلاهما من المسلمين المبكرين باسلامهم...

ومن العشرة الذين بشّرهم الرسول بالجتة. ومن أصحاب الشورى الستة الذين وكّل اليهم عمر اختيار الخليفة من بعده.

وحتى مصيرهما كان كامل التماثل.. بل كان مصيرا واحدا.

ولقد أسلم الزبير، اسلاما مبكرا، اذ كان واحدا من السبعة الأوائل الذين سارعوا الى الإسلام ، وأسهموا في طليعته المباركة في دار الأرقم..

وكان عمره يومئذ خمس عشر سنة.. وهكذا رزق الهدى والنور والخير صبيا..

ولقد كان فارسا ومقداما منذ صباه. حتى ان المؤرخين ليذكرون أن أول سيف شهر في الإسلام كان سيف الزبير.

ففي الأيام الأولى للاسلام، والمسلمون يومئذ قلة يستخفون في دار الأرقم.. سرت اشاعة ذات يوم أن الرسول قتل.. فما كان من الزبير الا أن استلّ سيفه وامتشقه، وسار في شوارع مكة، على حداثة سنه كالاعصار..!

ذهب أولا يتبيّن الخبر، معتزما ان ما ألفاه صحيحا أن يعمل سيفه في رقاب قريش كلها حتى يظفربهم أو يظفروا به..

وفي أعلى مكة لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ماذا به....؟ فأنهى اليه الزبير النبأ.. فصلى عليه الرسول، ودعا له بالخير، ولسيفه بالغلب.

وعلى الرغم من شرف الزبير في قومه فقد حمل حظه من اضطهاد قريش وعذابها.

وكان الذي تولى تعذيبع عمه.. كان يلفه في حصير، ويدخن عليه بالنار كي تزهق أنفاسه، ويناديه وهو تحت وطأة العذاب:" أكفر برب محمد، أدرأ عنك العذاب".

فيجيبه الزبير الذي لم يكن يوم ذاك أكثر من فتى ناشئ، غضّ العظام.. يجيب عمه في تحدّ رهب:

" لا..

والله لا أعود لكفر أبدا"...

ويهاجر الزبير الى الحبشة، الهجرتين الأولى والثانية، ثم يعود ليشهد المشاهد كلها مع رسول الله. لا تفتقده غزوة ولا معركة.

وما أكثر الطعنات التي تلقاها جسده واحتفظ بها بعد اندمال جراحاتها، أوسمة تحكي بطولة الزبير وأمجاده..!!

ولنصغ لواحد من الصحابة رأى تلك الأوسمة التي تزدحم على جسده، يحدثنا عنها فيقول:

" صحبت الزبير بن العوّام في بعض أسفاره ورأيت جسده، فرأيته مجذّعا بالسيوف، وان في صدره لأمثال العيون الغائرة من الطعن والرمي.

فقلت له: والله لقد شهدت بجسمك ما لم أره بأحد قط.

فقال لي: أم والله ما منها جراحة الا مع رسول الله وفي سبيل الله"..

وفي غزوة أحد بعد أن انقلب جيش قريش راجعا الى مكةو ندبه الرسول هو وأبو بكر لتعقب جيش قريش ومطاردته حتى يروا أن المسلمين قوة فلا يفكروا في الرجوع الى المدينة واستئناف القتال..

وقاد أبو بكر والزبير سبعين من المسلمين، وعلى الرغم من أنهم كانوا يتعقبون جيشا منتصرا فان اللباقة الحربية التي استخدمها الصديق والزبير، جعلت قريشا تظن أنها أساءت تقدير خسائر المسلمين، وجعلتها تحسب أن هذه الطليعة القوية التي أجاد الزبير مع الصديق ابراز قوتها، وما هي الا مقدمة لجيش الرسول الذي يبدو أنه قادم ليشن مطاردة رهيبة فأغذّت قريش سيرها، وأسرعت خطاها الى مكة..!!

ويوم اليرموك كان الزبير جيشا وحده.. فحين رأى أكثر المقاتلين الذين كان على رأسهم يتقهقرون أمام جبال الروم الزاحفة، صاح هو" الله أكبر".. واخترق تلك الجبال الزاحفة وحده، ضاربا بسيفه.. ثم قفل راجعا وسط الصفوف الرهيبة ذاتها، وسيف يتوهج في يمينه لا يكبو، ولا يحبو..!!

وكان رضي الله عنه شديد الولع بالشهادة، عظيم الغرام بالموت في سبيل الله.

وكان يقول:

" ان طلحة بن عبيد الله يسمي بنيه بأسماء الأنبياء، وقد علم ألا نبي بعد محمد...

واني لأسمي بنيّ بأسماء الشهداء لعلهم يستشهدون".!

وهكذا سمى ولده، عبدالله بن الزبير تيمنا بالصحابي الشهيد عبدالله بن جحش.

وسمى ولده المنذر، تيمنا بالشهيد المنذر بن عمرو.

وسمى عروة تيمنا بالشهيد عروة بن عمرو.

وسمى حمزة تيمنا بالشهيد الجليل عم الرسول حمزة بن عبدالمطلب.

وسمّى جعفر، تيمنا بالشهيد الكبير جعفر بن أبي طالب.

وسمى مصعبا تيمنا بالشهيد مصعب بن عمير.

وسمى خالد تيمنا بالصحابي الشهيد خالد بن سعيد..

وهكذا راح يختار لأبنائه أسماء الشهداء. راجيا أن يكونوا يوم تأتيهم آجالهم شهداء.

ولقد قيل في تاريخه:

" انه ما ولي امارة فط، ولا جباية، ولا خراجا ولا شيئا الا الغزو في سبيل الله".

وكانت ميزته كمقاتل، تتمثل في في اعتماده التام على نفسه، وفي ثقته التامة بها.

فلو كان يشاركه في القتال مائة ألف، لرأيته يقاتل وحده في لمعركة.. وكأن مسؤولية القتال والنصر تقع على كاهله وحده.

وكان فضيلته كمقاتل، تتمثل في الثبات، وقوة الأعصاب..

رأى مشهد خاله حمزة يوم أحد وقد كثّل المشركون بجثمانه القتيل في قسوة، فوقف أمامه كالطود ضاغطا على أسنانه، وضاغطا على قبضة سيفه، لا يفكر الا في ثأر رهيب سرعان ما جاء الوحي ينهى الرسول والمسلمين عن مجرّد التفكير فيه..!!

وحين طال حصار بني قريظة دون أن يستسلموا أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع علي ابن أبي طالب، فوقف أمام الحصن المنيع يردد مع علي قوله:

" والله لنذوقنّ ما ذاق حمزة، أو لنفتحنّ عليهم حصنهم"..

ثم ألقيا بنفسيهما وحيدين داخل الحصن..

وبقوة أعصاب مذهلة، أحكما انزال الرعب في أفئدة المتحصنين داخله وفتحا أبوابه للمسلمين..!!

ويوم حنين أبصر مالك بن عوف زعيم هوزان وقائد جيش الشرك في تلك الغزوة.. أبصره بعد هزيمتهم في حنين واقفا وسط فيلق من أصحابه، وبقايا جيشه المنهزم، فاقتحم حشدهم وحده، وشتت شملهم وحده، وأزاحهم عن المكمن الذي كانوا يتربصون فيه ببعض زعماء المسلمين، العائدين من المعركة..!!

ولقد كان حظه من حب الرسول وتقديره عظيما..

وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يباهي به ويقول:

" ان لكل نبي حواريا وحواريي الزبير ن العوّام"..

ذلك أنه لم يكن ابن عمته وحسب، ولا زوج أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين، بل كان ذلك الوفي القوي، والشجاع الأبيّ، والجوّاد السخيّ، والبائع نفسه وماله لله رب العالمين:

ولقد أجاد حسان بن ثابت وصفه حين قال:

أقـام على عهد النبـي وهديــــــــــه~~~ حواريّــه والقـول بالفعـل يعدل

أقـام على منهاجـه وطريـقــــــــــه ~~~ يوالـي وليّ الحق، والـحق أعدل

هو الفارس المشهور والبطل الذي~~~ يصول، إذا مــا كان يـوم محجّل

له من رسول اللـه قربى قريبـــة~~~ ومن نصرة الإسلام مجد مـوثّل

فكم كربـة ذبّ الزبيـر بسيــفه ~~~عن المصطفى، والله يعطي ويجزل

\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\\

وكان رفيع الخصال، عظيم الشمائل.. وكانت شجاعته وسخاؤه كفرسي رهان..!!

فلقد كان يدير تجارة رابحة ناجحة، وكان ثراؤه عريضا، ولكنه أنفقه في الإسلام حتى مات مدينا..!!

وكان توكله على الله منطلق جوده، ومنطلق شجاعته وفدائيته..

حتى وهو يجود بروحه، ويوصي ولده عبدالله بقضاء ديونه قال له:

" اذا أعجزك دين، فاستعن بمولاي"..

وسال عبدالله: أي مولى تعني..؟

فأجابه: الله، نعم المولى ونعم النصير"..

يقول عبدالله فيما بعد:

" فوالله ما وقعت في كربة من دينه الا قلت: يا مولى الزبير اقضي دينه، فيقضيه".

وفي يوم الجمل، على النحو الذي ذكرنا في حديثنا السالف عن حياة سيدنا طلحة كانت نهاية سيدنا الزبير ومصيره..

فبعد أن رأى الحق نفض يديه من القتال، وتبعه نفر من الذين كانوا يريدون للفتنة دوام الاشتعال، وطعنه القاتل الغادر وهو بين يدي ربه يصلي..

وذهب القاتل الى الامام علي يظن أنه يحمل اليه بشرى حين يسمعه نبأ عدوانه على الزبير، وحين يضع بين يديه سيفه الذي استلبه منه، بعد اقتراف جريمته..

لكن عليّا صاح حين علم أن بالباب قاتل الزبير يستأذن، صاح آمرا بطرده قائلا:

" بشّر قاتل ابن صفيّة بالنار"..

وحين أدخلوا عليه سيف الزبير، قبّله الامام وأمعن بالبكاء وهو يقول:

" سيف طالما والله جلا به صاحبه الكرب عن رسول الله"..!!

أهناك تحيّة نوجهها للزبير في ختام حديثنا عنه، أجمل وأجزل من كلمات الامام..؟؟

سلام على الزبير في مماته بعد محياه..

سلام، ثم سلام، على حواري رسول الله...

السلام عليكم ورحمة الله
الشكر لصاحب الكتـــاب
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   السبت 01 يناير 2011, 15:56

السلام عليكم
إليكم اليوم صقر يوم أحد { طلحة بن عبد الله}


{ من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا}...

تلا الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآية الكريمة، ثم استقبل وجوه أصحابه، وقال وهو يشير الى طلحة:

" من سرّه أن ينظر الى رجل يمشي على الأرض، وقد قضى نحبه، فلينظر الى طلحة"..!![color=green]

ولم تكن ثمة بشرى يتمنّاها أصحاب رسول الله، وتطير قلوبهم شوقا اليها أكثر من هذه التي قلّدها النبي طلحة بن عبيد الله..

لقد اطمأن اذن الى عاقبة أمره ومصير حياته.. فسيحيا، ويموت، وهو واحد من الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولن تناله فتنة، ولن يدركه لغوب..

ولقد بشّره الرسول بالجنة، فماذا كانت حياة هذا المبشّر الكريم..؟؟

لقد كان في تجارة له بأرض بصرى حين لقي راهبا من خيار رهبانها، وأنبأه أن النبي الذي سيخرج من بلاد الحرم، والذي تنبأ به الأنبياء الصالحون قد أهلّ عصره وأشرقت أيامه..

وحّر طلحة أن يفوته موكبه، فانه موكب الهدى والرحمة والخلاص..

وحين عاد طلحة الى بلده مكة بعد شهور قضاها في بصرى وفي السفر، الفى بين أهلها ضجيجا.. وسمعهم يتحدثون كلما التقى بأحدهم، أو بجماعة منهم عن محمد الأمين.. وعن الوحي الذي يأتيه.. وعن الرسالة التي يحملها الى العرب خاصة، والى الناس كافة..

وسأل طلحة أول ما سأل أبي بكر فعلم أنه عاد مع قافلته وتجارته من زمن غير بعيد، وأنه يقف الى جوار محمد مؤمنا منافحا، أوّابا..

وحدّث طلحة نفسه: محمد، وأبو بكر..؟؟

تالله لا يجتمع الاثنان على ضلالة أبدا.!!

ولقد بلغ محمد الأربعين من عمره، وما عهدنا عليه خلال هذا العمر كذبة واحدة.. أفيكذب اليوم على الله، ويقول: أنه أرسلني وأرسل اليّ وحيا..؟؟

وهذا هو الذي يصعب تصديقه..

وأسرع طلحة الخطى ميمما وجهه شطر دار أبي بكر..

ولم يطل الحديث بينهما، فقد كان شوقه الى لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ومبايعته أسرع من دقات قلبه..

فصحبه أبو بكر الى الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث أسلم وأخذ مكانه في القافلة المباركة..

وهكذا كان طلحة من المسلمين المبكرين.

وعلى الرغم من جاهه في قومه، وثرائه العريض، وتجارته الناجحة فقد حمل حظه من اضطهاد قريش، اذ وكل به وبأبي بكر نوفل بن خويلد، وكان يدعى أسد قريش، بيد أن اضطهادهما لم يطل مداه، اذ سرعان ما خجلت قريش من نفسها، وخافت عاقبة أمرها..

وهاجر طلحة الى المدينة حين أمر المسلمون بالهجرة، ثم شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عدا غزوة بدر، فان الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد ندبه ومعه سعيد بن زيد لمهمة خارج المدينة..

ولما أنجزاها ورجعا قافلين الى المدينة، كان النبي وصحبه عائدين من غزوة بدر، فآلم نفسيهما أن يفوتهما أجر مشاركة الرسول صلى الله عليه وسلم بالجهاد في أولى غزواته..

بيد أن الرسول أهدى اليهما طمأنينة سابغة، حين انبأهما أن لهما من المثوبة والأجر مثل ما للمقاتلين تماما، بل وقسم لهما من غنائم المعركة مثل من شهدوها..

وتجيء غزوة أحد لتشهد كل جبروت قريش وكل بأسها حيث جاءت تثأر ليوم بدر وتؤمّن مصيرها بانزال هزيمة نهائية بالمسلمين، هزيمة حسبتها قريش أمرا ميسورا، وقدرا مقدورا..!!

ودارت حرب طاحنة سرعان ما غطّت الأرض بحصادها الأليم.. ودارت الدائرة على المشركين..

ثم لما رآهم المسلمون ينسحبون وضعوا أسلحتهم، ونزل الرماة من مواقعهم ليحوزوا نصيبهم من الغنائم..

وفجأة عاد جيش قريش من الوراء على حين بغتة، فامتلك ناصية الحرب زمام المعركة..

واستأنف القتال ضراوته وقسوته وطحنه، وكان للمفاجأة أثرها في تشتيت صفوف المسلمين..

وأبصر طلحة جانب المعركة التي يقف فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألفاه قد صار هدفا لقوى الشرك والوثنية، فسارع نحو الرسول..

وراح رضي الله عنه يجتاز طريقا ما أطوله على قصره..! طريقا تعترض كل شبر منه عشرات السيوف المسعورة وعشرات من الرماح المجنونة!!

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعيد يسيل من وجنته الدمو ويتحامل على نفسه، فجنّ جنونه، وقطع طريق الهول في قفزة أو قفزتين وأمام الرسول وجد ما يخشاه.. سيوف المشركين تلهث نحوه، وتحيط به تريد أن تناله بسوء..

ووقف طلحة كالجيش اللجب، يضرب بسيفه البتار يمينا وشمالا..

ورأى دم الروسل الكريم ينزف، وآلامه تئن، فسانده وحمله بعيدا عن الحفرة التي زلت فيها قدمه..

كان يساند الرسول عليه الصلاة والسلام بيسراه وصدره، متأخرا به الى مكان آمن، بينما بيمينه، بارك الله يمينه، تضرب بالسيف وتقاتل المشركين الذين أحاطوا بالرسول، وملؤا دائرة القتال مثل الجراد..!!

ولندع الصدّيق أبا بكر رضي الله عنه يصف لنا المشهد..

تقول عائشة رضي الله عنها:

" كان أبو بكر اذا ذكر يوم أحد يقول: ذلك كله كان يوم طلحة.. كنت أول من جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لي الرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي عبيدة بن الجرّاح: دونكم اخاكم.. ونظرنا واذا به بضع وسبعون بين طعنة.. وضربة ورمية.. واذا أصبعه مقطوع. فأصلحنا من شانه" .

وفي جميع المشاهد والغزوات، كان طلحة في مقدّمة الصفوف يبتغي وجه الله، ويفتدي راية رسوله.

ويعيش طلحة وسط الجماعة المسلمة، يعبد الله مع العابدين، ويجاهد في سبيله مع المجاهدين، ويرسي بساعديه مع سواعد اخوانه قواعد الدين الجديد الذي جاء ليخرج الناس من الظلمات الى النور..

فاذا قضى حق ربه، راح يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل الله منمّيا تجارته الرابحة، وأعماله الناجحة.

فقد كان طلحة رضي الله عته من أكثر المسلمين ثراء، وأنماهم ثروة..

وكانت ثروته كلها في خدمة الدين الذي حمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رايته...

كان ينفق منها بغير حساب..

وكان اله ينمّيها له بغير حساب!

لقد لقّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بـ طلحة الخير، وطلحة الجود، وطلحة الفيّاض اطراء لجوده المفيض.

وما أكثر ما كان يخرج من ثروته مرة واحدة، فاذا الله الكريم يردها اليه مضاعفة.

تحدّثنا زوجته سعدى بنت عوف فتقول:

" دخلت على طلحة يوما فرأيته مهموما، فسألته ما شانك..؟

فقال المال الذي عندي.. قد كثر حتى أهمّني وأكربني..

وقلت له ما عليك.. اقسمه..

فقام ودعا الناس، واخذ يقسمه عليهم حتى ما بقي منه درهم"...

ومرّة أخرى باع أرضا له بثمن مرتفع، ونظر الى كومة المال ففاضت عيناه من الدمع ثم قال:

" ان رجلا تبيت هذه الأموال في بيته لا يدري ما يطرق من أمر، لمغرور بالله"...

ثم دعا بعض أصحابه وحمل معهم أمواله هذه، ومضى في شوارع المدينة وبيوتها يوزعها، حتى أسحر وما عنده منها درهم..!!

ويصف جابر بن عبدالله جود طلحة فيقول:

" ما رأيت أحد اعطى لجزيل مال من غير مسألة، من طلحة بن عبيد الله".وكان أكثر الناس برّا بأهله وبأقربائه، فكان يعولهم جميعا على كثرتهم..

وقد قيل عنه في ذلك:

".. كان لا يدع أحدا من بني تيم عائلا الا كفاه مؤنته، ومؤنة عياله..

وكان يزوج أيامهم، ويخدم عائلهم، ويقضي دين غارمهم"..

ويقول السائب بن زيد:

" صجبت طلحة بن عبيدالله في السفر والحضر فما وجدت أحدا، أعمّ سخاء على الدرهم، والثوب والطعام من طلحة"..!!

وتنشب الفتنة المعروفة في خلافة عثمان رضي الله عنه..

ويؤيد طلحة حجة المعارضين لعثمان، ويزكي معظمهم فيما كانوا ينشدونه من تغيير واصلاح..

أكان بموقفه هذا، يدعو الى قتل عثمان، أو يرضى به..؟؟ كلا...

ولو كان يعلم أن الفتنة ستتداعى حتى تتفجر آخر الأمر حقدا مخبولا، ينفس عن نفسه في تلك الجناية البشعة التي ذهب ضحيتها ذو النورين عثمان رضي الله عنه..

نقول: لو كان يعلم أن الفتنة ستتمادى الى هذا المأزق والمنتهى لقاومها، ولقاومها معه بقية الأصحاب الذين آزروها أول أمرها باعتبارها حركة معارضة وتحذير، لا أكثر..

على أن موقف طلحة هذا، تحوّل الى عقدة حياته بعد الطريقة البشعة التي حوصر بها عثمان وقتل، فلم يكد الامام عليّ يقبل بيعة المسلمين بالمدينة ومنهم طلحة والزبير، حتى استأذن الاثنان في الخروج الى مكة للعمرة..

ومن مكة توجها الى البصرة، حيث كانت قوات كثيرة تتجمّع للأخذ بثأر عثمان..

وكانت وقعة الجمل حيث التقى الفريق المطالب بدم عثمان، والفريق الذي يناصر عليّا..

وكان عليّ كلما أدار خواطره على الموقف العسر الذي يجتازه الإسلام والمسلمون في هذه الخصومة الرهيبة، تنتفض همومه، وتهطل دموعه، ويعلو نشيجه..!!

لقد اضطر الى امأزق الوعر..

فبوصفه خليفة المسلمين لا يستطيع، وليس من حقه أن يتسامح تجاه أي تمرّد على الدولة، أو أي مناهضة مسلحة للسلطة المشروعة..

وحين ينهض لقمع تمرّد من هذ النوع، فان عليه أن يواجه اخوانه وأصحابه وأصدقاءه، وأتباع رسوله ودينه، أولئك الذين طالما قاتل معهم جيوش الشرك، وخاضوا معا تحت راية التوحيد معارك صهرتهم وصقلتهم، وجعلت منهم اخوانا بل اخوة متعاضدين..

فأي مأزق هذا..؟ وأي ابتلاء عسير..؟

وفي سبيل التماس مخرج من هذا المأزق، وصون دماء المسلمين لم يترك الامام علي وسيلة الا توسّل بها، ولا رجاء الا تعلق به.

ولكن العناصر التي كانت تعمل ضدّ الإسلام ، وما أكثرها، والتي لقيت مصيرها الفاجع على يد الدولة المسلمة، أيام عاهلها العظيم عمر، هذه العناصر كانت قد أحكمت نسج الفتنة، وراحت تغذيها وتتابع سيرها وتفاقمها...

بكى عليّ بكاء غزيرا، عندما أبصر أم المؤمنين عائشة في هودجها على رأس الجيش الذي يخرج الآن لقتاله..

وعندما أبصر وسط الجيش طلحة والزبير، حوراييّ رسول الله..

فنادى طلحة والزبير ليخرجا اليه، فخرجا حتى اختلفت أعناق أفراسهم..

فقال لطلحة:

" يا طلحة، أجئت بعرس رسول الله تقاتل بها. وخبأت عرسك في البيت"..؟؟

ثم قال للزبير:

" يا زبير، نشدتك الله، أتذكر يوم مرّ بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن بمكان كذا، فقال لك: يا زبير، ألا تحبّ عليّا..؟

فقلت: ألا أحب ابن خالي، وابن عمي، ومن هو على ديني..؟؟

فقال لك: يا زبير، أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم"..!!

قال الزبير رضي الله عنه: نعم أذكر الآن، وكنت قد نسيته، والله لا أقاتلك..

وأقلع الزبير وطلحة عن الاشتراك في هذه الحرب الأهلية..

أقلعا فور تبيّنهما الأمر، وعندما أبصرا عمار بن ياسر يحارب في صف عليّ، تذكرا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمّار:

" تقتلك الفئة الباغية"..

فان قتل عمّار اذن في هذه المعركة التي يشترك فيها طلحة، فسيكون طلحة باغيا...

انسحب طلحة والزبير من القتال، ودفعا ثمن ذلك الانسحاب حياتهما، ولكنهما لقيا الله قريرة أعينهما بما منّ عليهما من بصيرة وهدى..

أما الزبير فقد تعقبه رجل اسمه عمرو بن جرموز وقتله غيلة وغدرا وهو يصلي..!!

وأما طلحة فقد رماه مروان بن الحكم بسهم أودى بحياته..

كان مقتل عثمان قد تشكّل في نفسية طلحة، حتى صار عقدة حياته..

كل هذا، مع أنه لم يشترك بالقتل، ولم يحرّض عليه، وانما ناصر المعارضة ضدّه، يوم لم يكن يبدو أن المعارضة ستتمادى وتتأزم حتى تتحول الى تلك الجريمة البشعة..

وحين أخذ مكانه يوم الجمل مع الجيش المعادي لعلي بن أبي طالب والمطالب بدم عثمان، كان يرجو أن يكون في موقفه هذا كفّارة تريحه من وطأة ضميره..

وكان قبل بدء المعركة يدعو ويضرع بصوت تخنقه الدموع، ويقول:

" اللهم خذ مني لعثمان اليوم حتى ترضى"..

فلما واجهه عليّ هو والزبير، أضاءت كلمات عليّ جوانب نفسيهما، فرأيا الصواب وتركا أرض القتال..

بيد أن الشهادة من حظ طلحة يدركها وتدركه أيّان يكون..

ألم يقل الرسول عنه:

" هذا ممن قضى نحبه، ومن سرّه أن يرى شهيدا يمشي على الأرض، فلينظر الى طلحة"..؟؟

لقي الشهيد اذن مصيره المقدور والكبير، وانتهت وقعة الجمل.

وأدركت أم المؤمنين أنها تعجلت الأمور فغادرت البصرة الى البيت الحرام فالمدينة، نافضة يديها من هذا الصراع، وزوّدها الامام علي في رحلتها بكل وسائل الراحة والتكريم..

وحين كان عليّ يستعرض شهداء المعركة راح يصلي عليهم جميعا، الذين كانوا معه، والذين كانوا ضدّه..

ولما فرغ من دفن طلحة، والزبير، وقف يودعهما بكلمات جليلة، اختتمها قائلا:

" اني لأرجو أن أكون أنا، وطلحة والزبير وعثمان من الذين قال الله فيهم: { ونزعنا ما صدورهم من غلّ اخوانا على سرر متقابلين}..

ثم ضمّ قبريهما بنظراته الحانية الصافية الآسية وقال:

" سمعت أذناي هاتان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

" طلحة والزبير، جاراي في الجنّة"...


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 14653

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأحد 02 يناير 2011, 13:24

الزبيربن العوام وطلحة بن عبد الله الصناديد والخناديد
والله لا يملك المرء سوى ان يقف وقفة اجلال وتعظيم امام صور هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم
جزاك الله خيرا يا استاذنا سرتات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الثلاثاء 04 يناير 2011, 16:22

السلام عليكم
شخصية اليوم هو قيس بن سعد بن عبادة
كان الأنصار يعاملونه على حداثة سنه كزعيم..

وكانوا يقولون:" لو استطعنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا لفعلنا"..

ذلك أنه كان أجرد، ولم يكن ينقصه من صفات الزعامة في عرف قومه سوى اللحية التي كان الرجال يتوّجون بها وجوههم.

فمن هذا الفتى الذي ودّ قومه لو يتنازلون عن أموالهم لقاء لحية تكسو وجهه، وتكمل الشكل الخارجي لعظمته الحقيقية، وزعامته المتفوقة..؟؟

انه قيس بن سعد بن عبادة.

من أجود بيوت لعرب وأعرقها.. البيت الذي قال فيه الرسول عليه الصلاة والسلام:

" ان الجود شيمة أهل هذا البيت"..

وانه الداهية الذي يتفجر حيلة، ومهارة، وذكاء، والذي قال عن نفسه وهو صادق:

" لولا الإسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب"..!!

ذلك أنه حادّ الذكاء، واسع الحيلة، متوقّد الذهن.

ولقد كان مكانه يوم صفين مع علي ضدّ معاوية.. وكان يجلس مع نفسه فيرسم الخدعة التي يمكن أن يؤدي بمعاوية وبمن معه في يوم أو ببعض يوم، بيد أنه يتفحص خدعته هذه التي تفتق عنها ذكاؤه فيجدها من المكر السيء الخطر، ثم يذكر قول الله سبحانه:

{ولا يحيق المكر السوء الا بأهله}..

فيهبّ من فوره مستنكرا، ومستغفرا، ولسان حاله يقول:

" والله لئن قدّر لمعاوية أن يغلبنا، فلن يغلبنا بذكائه، بل بورعنا وتقوانا"..!!

ان هذا الأنصاري الخزرجي من بيت زعامة عظيم، ورث المكارم كابرا عن كابر.. فهو ابن سعد بن عبادة، زعيم الخزرج الذي سيكون لنا معه فيما بعد لقاء..

وحين أسلم سعد أخذ بيد ابنه قيس وقدّمه الى الرسول قائلا:

" هذا خادمك يا رسول الله"..

ورأى لرسول في قيس كل سمات التفوّق وأمائر الصلاح..

فأدناه منه وقرّبه اليه وظل قيس صاحب هذه المكانة دائما..

يقول أنس صاحب رسول الله:

" كان قيس بن سعد من النبي، بمكان صاحب الشرطة من الأمير"..

وحين كان قيس، قبل الإسلام يعامل الناس بذكائه كانوا لا يحتملون منه ومضة ذهن، ولم يكن في المدينة وما حولها الا من يحسب لدهائه ألف حساب.. فلما أسلم، علّمه الإسلام أن يعامل الناس باخلاصه، لا بدهائه، ولقد كان ابنا بارّا للاسلام، ومن ثمّ نحّى دهاءه جانبا، ولم يعد ينسج به مناوراته القاضية.. وصار كلما واجه موقعا صعبا، يأخذه الحنين الى دهائه المقيد، فيقول عبارته المأثورة:

" لولا الإسلام ، لمكرت مكرا لا تطيقه العرب"...!!

ولم يكن بين خصاله ما يفوق ذكائه سوى جوده.. ولم يكن الجود خلقا طارئا على قيس، فهو من بيت عريق في الجود والسخاء، كان لأسرة قيس، على عادة أثرياء وكرام العرب يومئذ، مناد يقف فوق مرتفع لهم وينادي الضيفان الى طعامهم نهارا... أو يوقد النار لتهدي الغريب الساري ليلا.. وكان الناس يومئذ يقولون:" من أحبّ الشحم، واللحم، فليأت أطم دليم بن حارثة"...

ودليم بن حارثة، هو الجد الثاني لقيس..

ففي هذا البيت العريق أرضع قيس الجود والسماح..

تحّث يوما أبا بكر وعمر حول جود قيس وسخائه وقالا:

" لو تركنا هذا الفتى لسخائه، لأهلك مال أبيه"..

وعلم سعد بن عبادة بمقالتهما عن ابنه قيس، فصاح قائلا:

" من يعذرني من أبي قحافة، وابن الخطّاب.. يبخلان عليّ ابني"..!!

وأقرض أحد اخوانه المعسرين يوما قرضا كبيرا..

وفي الموعد المضروب للوفاء ذهب الرجل يردّ الى قيس قرضه فأبى أن يقبله وقال:

" انا لا نعود في شيء أعطيناه"..!!

وللفطرة الانسانية نهج لا يتخلف، وسنّة لا تتبدّل.. فحيث يوجد الجود توجد الشجاعة..

أجل ان الجود الحقيقي والشجاعة الحقيقية توأمان، لا يتخلف أحدهما عن الاخر أبدا.. واذا وجدت جودا ولم تجد شجاعة فاعلم أن هذا الذي تراه ليس جودا.. وانما هو مظهر فارغ وكاذب من مظاهر الزهو الأدّعاء... واذا وجدت شجاعة لا يصاحبها جود، فاعلم أنها ليست شجاعة، انما هي نزوة من نزوات التهوّر والطيش...

ولما كان قيس بن سعد يمسك أعنة الجود بيمينه فقد كان يمسك بذات اليمين أعنّة الشجاعة والاقدام..

لكأنه المعنيّ بقول الشاعر:

اذا ما راية رفعت لمجد~~~ تلقاها عرابة باليمين

تألقت شجاعته في جميع المشاهد التي صاحب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حيّ..

وواصلت تألقها، في المشاهد التي خاضها بعد أن ذهب الرسول الى الرفيق الأعلى..

والشجاعة التي تعتمد على الصدق بدل الدهاء.. وتتوسل بالوضوح والماوجهة، لا بالمناورة والمراوغة، تحمّل صاحبها من المصاعب والمشاق من يؤوده ويضنيه..

ومنذ ألقى قيس وراء ظهره، قدرته الخارقة على الدهاء والمناورة، وحمل هذا الطراز من الشجاعة المسفرة الواضحة، وهو قرير العين بما تسببه له من متاعب وما تجلبه من تبعات...

ان الشجاعة الحقة تنقذف من اقتناع صاحبها وحده..

هذا الاقتناع الذي لا تكوّنه شهوة أو نزوة، انما يكوّنه الصدق مع النفس، والاخلاص للحق...

وهكذا حين نشب الخلاف بين عليّ ومعاوية، نرى قيسا يخلوبنفسه، ويبحث عن الحق من خلال اقتناعه، حتى اذا ما رآه مع عليّ ينهض الى جواره شامخا، قويا مستبسلا..

وفي معارك صفّين، والجمل، ونهروان، كان قيس أحد أبطالها المستبسلين..

كان يحمل لواء الأنصار وهو يصيح:

هذا اللـواء الذي كنــــا نحفّ بـه~~~ مع النبي وجبريــل لنا مدد

ما ضرّ من كانت الأنصار عيبته~~~ ألا يكون له من غيـرهم أحد


ولقد ولاه الامام عليّ حكم مصر..

وكانت عين معاوية على مصر دائما... كان ينظر اليها كأثمن درّة في تاجه المنتظر...

من أجل ذلك لم يكد يرى قيسا يتولى امارتها حتى جنّ جنونه وخشي أن يحول قيس بينه وبين مصر الى الأبد، حتى لو انتصر هو على الامام عليّ انتصارا حاسما..

وهكذا راح بكل وسائله الماكرة، وحيله التي لا تحجم عن أمر، يدسّ عند علي ضدّ قيس، حتى استدعاه الامام منمصر..

وهنا وجد قيس فرصة سعيدة ليستكمل ذكاءه استعمالا مشروعا، فلقد أدرك بفطنته أن معاوية لعب ضدّه هذه اللعبة بعد أن فشل في استمالته الى جانبه، لكي يوغر صدره ضدّ الامام علي، ولكي يضائل من ولائه له.. واذن فخير رد على دهاء معاوية هو المزيد من الولاء لعليّ وللحق الذي يمثله عليّ، والذي هو في نفس الوقت مناط الاقتناع الرشيد والأكيد لقيس بن سعد بن عبادة..

وهكذا لم يحس لحظة أن عليّا عزله عن مصر.. فما الولاية، وما الامارة، وما المناصب كلها عند قيس الا أدوات يخدم بها عقيدته ودينه.. ولئن كانت امارته على مصر وسيلة لخدمة الحق، فان موقفه بجوار عليّ فوق أرض المعركة وسيلة أخرى لا تقل أهميّة ولا روعة..

وتبلغ شجاعة قيس ذروة صدقها ونهاها، بعد استشهاد عليّ وبيعة الحسن..

لقد اقتنع قيس بأن الحسن رضي الله عنه، هو الوارث الشرعي للامامة فبايعه ووقف الى جانبه غير ملق الى الأخطار وبالا..

وحين يضطرّهم معاوية لامشاق السيوف، ينهض قيس فيقود خمسة آلاف من الذين حلقوا رؤوسهم حدادا على الامام علي..

ويؤثر الحسن أن يضمّد جراح المسلمين التي طال شحوبها، ويضع حدّا للقتال المفني المبيد فيفاوض معاوية ثم يبايعه..

هنا يدير قيس خواطره على المسألة من جديد، فيرى أنه مهما يكن في موقف الحسن من الصواب، فان لجنود قيس في ذمّته حق الشورى في اختيار المصير، وهكذا يجمعهم ويخطب فيهم قائلا:

" ان شئتم جالدت بكم حتى يموت الأعجل منا، وان شئتم أخذت لكم أمانا:..

واختار جنوده الأمر الثاني، فأخذ لهم الامام من معاوية الذي ملأ الحبور نفسه حين رأى مقاديره تريحه من أقوى خصومه شكيمة وأخطرهم عاقبة...

وفي المدينة المنوّرة، عام تسع وخمسين، مات الداهية الذي روّض الإسلام دهاءه..

مات الرجل الذي كان يقول:

لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ب\يقول:

" المكر والخديعة في النار، لكنت من أمكر هذه الأمة"..

أجل.. ومات تاركا وراءه عبير رجل أمين على كل ما للاسلام عنده من ذمّة، وعهد وميثاق...

الشكر لخالد محمد خالد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 14653

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 06 يناير 2011, 13:49

شكرا على العمل

واصل جزاك الله خيرا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 06 يناير 2011, 16:56

السلام عايكم
شكرا ولد منتنا على الرد
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الخميس 06 يناير 2011, 18:02

السلام عليكم

سلمة بن الاكوع

أراد ابنه أيّاس أن يلخص فضائله في عبارة واحدة.

فقال:

" ماكذب أبي قط"..!!

وحسب انسان أن يحرز هذه الفضيلة، ليأخذ مكانه العالي بين الأبرار والصالحين.

ولقد أحرزها سلمة بن الأكوع وهو جدير بها..

كان سلمة من رماة العرب المعدودين، وكان كذلك من المبرزين في الشجاعة والكرم وفعل الخيرات.

وحين أسلم نفسه للاسلام، أسلمها صادقا منيبا، فصاغها الإسلام على نسقه العظيم.

وسلمة بن الأكوع من أصحاب بيعة الرضوان.

حين خرج الرسول وأصحابه عام ست من الهجرة، قاصدين زيارة البيت الحرام، وتصدّت لهم قلريش تمنعهم.

أرسل النبي اليهم عثمان بن عفان ليخبرهم أن النبي جاء زائرا لا مقاتلا..

وفي انتظار عودة عثمان، سرت اشاعة بأن قريشا قد قتلته،وجلس الرسول في ظل الشجرة يتلقى بيهة أصحابه واحدا واحدا على الموت..

يقول سلمة:

" بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الموت تحت الشجرة،. ثم تنحيّت، فلما خف الناس قال يا سلمة مالك لا تبايع..؟

قلت: قد بايعت ي رسول الله، قال: وأبضا.. فبايعته".

ولقد وفى بالبعة خير وفاء.

بل وفى بها قبل أن يعطيها، منذ شهد أن لا اله الا الله، وأن محمدا رسول الله..

يقول:

" غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع زيد بن حارثة تسع غزوات".

كان سلمة من أمهر الذين يقاتلون مشاة، ويرمون بالنبال والرماح،

وكانت طريقته تشبه طريقة بعض حروب العصابات الكبيرة التي تتبع اليوم.. فكان اذا هاجمه عدوه تقهقر دونه، فاذا أدبر العدو أو وقف يستريح هاجمه في غير هوادة..

وبهذه الطريقة استطاع أن يطارد وحده، القوة التي أغارت على مشارف المدينة بقيادة عيينة بن حصن الفزاري في الغزوة المعروفة بغزو ذي قرد..

خرج في أثرهم وحده، وظل يقاتلهم ويراوغهم، ويبعدهم عن المدينة حتى أدركه الرسول في قوة وافرة من أصحابه..

وفي هذا اليوم قال الرسول لأصحابه:

" خير رجّالتنا ، أي مشاتنا، سلمة بن الأكوع"!!

ولم يعرف سلمة الأسى والجزع الا عند مصرع أخيه عامر بن الأكوع في حرب خيبر..

وكان عامر يرتجز أمام جيش المسلمين هاتفا:

لا همّ لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدّقنا ولا صلّينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبت الأقدام ان لاقينا

في تلك المعركة ذهب عامر يضرب بسيفه أحد المشركين فانثنى السيف في يده وأصابت ذوّابته منه مقتلا.. فقال بعض المسلمين:

" مسكين عامر حرم الشهادة"

عندئذ لا غير جزع سلمة جزعا شديدا، حين ظنّ كما ظن غيره أن أخاه وقد قتل نفسه خطأ قد حرم أجر الجهاد، وثواب الشهادة.

لكن الرسول الرحيم سرعان ما وضع الأمرو في نصابها حين ذهب اليه سلمة وقال له:

أصحيح يا رسول الله أن عامرا حبط عمله..؟

فأجابه الرسول عليه السلام:

" انه قتل مجاهدا

وأن له لأجرين

وانه الآن ليسبح

في أنهار الجنة"..!!

وكان سلمة على جوده المفيض أكثر ما يكون جوادا اذا سئل بوجه الله..

فلو أن انسانا سأله بوجه الله أن يمنحه حياته، لما تردد في بذلها.

ولقد عرف الناس منه ذلك، فكان أحدهم اذا أراد أن يظفر منه بشيء قال له:

" من لم يعط بوجه الله، فبم يعطي"..؟؟
ويوم قتل عثمان، رضي الله عنه، أدرك المجاهد الشجاع أن أبواب الفتنة قد فتحت على المسلمين.

وما كان له وهو الذي قضى عمره يقاتل بين اخوانه أن يتحول الى مقاتل ضد اخوانه..

أجل ان الرجل الذي حيّا الرسول مهارته في قتال المشركين، ليس من حقه أن يقاتل بهذه المهارة مسلما..

ومن ثمّ، فقد حمل متاعه وغادر المدينة الى الربدة.. نفس المكان الذي اختاره أبو ذر من قبل مهاجرا له ومصيرا.

وفي الرّبدة عاش سلمة بقية حياته، حتى كان يوم عام أربعة وسبعين من الهجرة، فأخذه السوق الى المدينة فسافر اليها زائرا، وقضى بها يوما، وثانيا..

وفي اليوم الثالث مات.

وهكذا ناداه ثراها الحبيب الرطيب ليضمّه تحت جوانحه ويؤويه مع من آوى قبله من الرفاق المباركين، والشهداء الصالحين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 14653

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأحد 09 يناير 2011, 13:15

واصل جزاك الله الف الف خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأحد 09 يناير 2011, 16:16

السلام عليكم

مشكور والله نرجو ان نكون عند حسن ظن الجميع
سنواصل حياة الصحابة
عمران
إنه الصحابي الجليل عمران بن حصين -رضي الله عنه أسلم عام خيبر، وبايع الرسول ( على الإسلام والجهاد في حب الله وطاعته، كثير البكاء والخوف من الله، لا يكف عن البكاء .

عام خيبر، أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مبايعا..

ومنذ وضع يمينه في يمين الرسول أصبحت يده اليمنى موضع تكريم كبير، فآلى على نفسه ألا يستخدمها الا في كل عمل طيّب، وكريم..

هذه الظاهرة تنبئ عما يتمتع به صاحبها من حسّ دقيق.

وعمران بن حصين رضي الله عنه صورة رضيّة من صور الصدق، والزهد، والورع، والتفاني وحب الله وطاعته...

وان معه من توفيق الله ونعمة الهدى لشيئا كثيرا، ومع ذلك فهو لا يفتأ يبكي، ويبكي، ويقول:

" يا ليتني كنت رمادا، تذروه الرياح"..!!

ذلك أن هؤلاء الرجال لم يكونوا يخافون الله بسبب ما يدركون من ذنب، فقلما كانت لهم بعد اسلامهم ذنوب..

انما كانوا يخافونه ويخشونه بقدر ادراكهم لعظمته وجلاله،وبقدر ادراكهم لحقيقة عجزهم عن شكره وعبادته، فمهما يضرعوا، ويركعوا، ومهما يسجدوا، ويعبدوا..

ولقد سأل أصحاب الرسول يوما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:

" يا رسول الله، مالنا اذا كنا عندك رقت قلوبنا، وزهدنا دنيانا، وكأننا نرى الآخرة رأي العين.. حتى اذا خرجنا من عندك، ولقينا أهلنا، وأولادنا، ودنيانا، أنكرنا أنفسنا..؟؟"

فأجابهم عليه السلام:

" والذي نفسي بيده، لو تدومون على حالكم عندي، لصافحتكم الملائكة عيانا، ولكن ساعة.. وساعة ".


وسمع عمران بن حصين هذا الحديث. فاشتعلت أشواقه.. وكأنما آلى على نفسه ألا يقعد دون تلك الغاية الجليلة ولو كلفته حياته، وكأنما لم تقنع همّته بأن يحيا حياته ساعة.. وساعة.. فأراد أن تكون كلها ساعة واحدة موصولة النجوى والتبتل لله رب العالمين..!!

وفي خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أرسله الخليفة الى البصرة ليفقه أهلها ويعلمهم.. وفي البصرة حطّ رحاله، وأقبل عليه أهلها مذ عرفوه يتبركون به، ويستضيؤن بتقواه.

قال الحسن البصري، وابن سيرين:

" ما قدم البصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد بفضل عمران بن حصين"

كان عمران يرفض أن يشغله عن الله وعبادته شاغل، استغرق في العبادة، واستوعبته العبادة حتى صار كأنه لا ينتمي الى عالم الدنيا التي يعيش فوق أرضها وبين ناسها..

أجل..

صار كأنه ملك يحيا بين الملائكة، يحادثونه ويحادثهم.. ويصافحونه ويصافحهم..

ولما وقع النزاع الكبير بين المسلمين، بين فريق علي وفريق معاوية، لم يقف عمران موقف الحيدة وحسب، بل راح يرفع صوته بين الناس داعيا ايّاهم أن يكفوا عن الاشتراك في تلك الحرب، حاضنا قضية الإسلام خير محتضن.. وراح يقول للناس:

" لأن أرعى أعنزا حضنيات في رأس جبل حتى يدركني الموت، أحبّ اليّ من أن أرمي في أحد الفريقين بسهم، أخطأ أم أصاب"..

وكان يوصي من يلقاه من المسلمين قائلا:

" الزم مسجدك..

فان دخل عليك، فالزم بيتك..

فان دخل عليك بيتك من يريد نفسك ومالك فقاتله"..

وحقق ايمان عمران بن حصين أعظم نجاح، حين أصابه مرض موجع لبث معه ثلاثين عاما، ما ضجر منه ولا قال: أفّ..

بل كان مثابرا على عبادته قائما، وقاعدا وراقدا..

وكان اذا هوّن عليه اخوانه وعوّاده أمر علته بكلمات مشجعة، ابتسم لها وقال:

" ان أحبّ الأشياء الى نفسي، أحبها الى الله"..!!

وكانت وصيته لأهله واخوانه حين أدركه الموت:

" اذا رجعتم من دفني، فانحروا وأطعموا"..

أجل لينحروا ويطعموا، فموت مؤمن مثل عمران بن حصين ليس موتا، انما هو حف زفاف عظيم، ومجيد، تزف فيه روح عالية راضية الى جنّة عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين...


دمتم في رعاية الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 14653

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الإثنين 10 يناير 2011, 13:24

شكرا شرتات على العمل : ^^%MQ.S
وتقبل مروروي
واصل من غير ماتفاصل

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأربعاء 12 يناير 2011, 18:49

السلام عليكم
شكرا ولد المنت على المرور العطر


بقدرة من الله ساحاول ان اكمل ما تركته بنت الشاطئ وارجو ان تكون في صحة جيدة هي وكل الاعضاء
أثنى الله تبارك وتعالى على الصحابة عامة، وعلى السابقين من المهاجرين والأنصار خاصة يقول سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ، وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.
ولا يخفى أن السابقين من المهاجرين كانوا من المستضعفين في مكة، وقد تعرضوا لصور متعددة من العذاب، كما تحملوا ضغوطا شديدة من صناديد قريش، وما زادهم ذلك إلا تمسكا بدينهم،

البراء بن مالك



هو ثاني أخوين عاشا في الله، وأعطيا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهدا نكا وأزهر مع الأيام..

أما أولهما فهو أنس بن مالك خادم رسول الله عليه السلام.

أخذته أمه أم سليم الى الرسول وعمره يوم ذاك عشر سنين وقالت:

"يا رسول الله..

هذا أنس غلامك يخدمك، فادع الله له"..

فقبّله رسول الله بين عينيه ودعا له دعوة ظلت تحدو عمره الطويل نحو الخير والبركة..

دعا له لرسول فقال:

" اللهم أكثر ماله، وولده، وبارك له، وأدخله الجنة"..

فعاش تسعا وتسعين سنة، ورزق من البنين والحفدة كثيرين، كما أعطاه الله فيما أعطاه من رزق، بستانا رحبا ممرعا، كان يحمل الفاكهة في العام مرتين..!!

وثاني الأخوين، هو البراء بن مالك..

عاش حياته العظيمة المقدامة، وشعاره:

" الله، والجنة"..

ومن كان يراه، وهو يقاتل في سبيل الله، كان يرى عجبا يفوق العجب..

فلم يكن البراء حين يجاهد المشركين بسيفه ممن يبحثون عن النصر، وان يكن النصر آنئذ أجلّ غاية.. انما كان يبحث عن الشهادة..

كانت كل أمانيه، أن يموت شهيدا، ويقضي نحبه فوق أرض معركة مجيدة من معارك الإسلام والحق..

من أجل هذا، لم يتخلف عن مشهد ولا غزوة..

وذات يوم ذهب اخوانه يعودونه، فقرأ وجوههم ثم قال:

" لعلكم ترهبون أن أموت على فراشي..

لا والله، لن يحرمني ربي الشهادة"..!!

ولقد صدّق الله ظنه فيه، فلم يمت البراء على فراشه، بل مات شهيدا في معركة من أروع معارك الإسلام ..!!

ولقد كانت بطولة البراء يوم اليمامة خليقة به.. خليقة بالبطل الذي كان عمر بن الخطاب يوصي ألا يكون قائدا أبدا، لأن جسارته واقدامه، وبحثه عن الموت.. كل هذا يجعل قيادته لغيره من المقاتلين مخاطرة تشبه الهلاك..!!

وقف البراء يوم اليمامة وجيوش الإسلام تحت امرة خالد تتهيأ للنزال، وقف يتلمظ مستبطئا تلك اللحظات التي تمرّ كأنها السنين، قبل أن يصدر القائد أمره بالزحف..

وعيناه الثاقبتان تتحركان في سرعة ونفاذ فوق أرض المعركة كلها، كأنهما تبحثان عن أصلح مكان لمصرع البطل..!!

أجل فما كان يشغله في دنياه كلها غير هذه الغاية..

حصاد كثير يتساقط من المشركين دعاة الظلام والباطل بحدّ سيفه الماحق..

ثم ضربة تواتيه في نهاية المعركة من يد مشركة، يميل على أثرها جسده الى الرض، على حين تأخذ روحه طريقها الى الملأ الأعلى في عرس الشهداء، وأعياد المباركين..!!

ونادى خالد: الله أكبر، فانطلقت الصفوف المرصوصة الى مقاديرها، وانطلق معها عاشق الموت البراء بن مالك..

وراح يجندل أتباع مسيلمة الكذاب بسيفه.. وهم يتساقطون كأوراق الخريف تحت وميض بأسه..

لم يكن جيش مسيلمة هزيلا، ولا قليلا.. بل كان أخطر جيوش الردة جميعا..

وكان بأعداده، وعتاده، واستماتة مقاتليه، خطرا يفوق كل خطر..

ولقد أجابوا على هجوم المسلمين شيء من الجزع. وانطلق زعماؤهم وخطباؤهم يلقون من فوق صهوات جيادهم كلمات التثبيت. ويذكرون بوعد الله..

وكان البراء بن مالك جميل الصوت عاليه..

وناداه القائد خالد تكلم يا براء..

فصاح البراء بكلمات تناهت في الجزالة، والدّلالة، القوة..

تلك هي:

" يا أهل المدينة..

لا مدينة لكم اليوم..

انما هو الله والجنة"..

كلمات تدل على روح قائلها وتنبئ بخصاله.

أجل..

انما هو الله، والجنة..!!

وفي هذا الموطن، لا ينبغي أن تدور الخواطر حول شيء آخر..

حتى المدينة، عاصمة الإسلام ، والبلد الذي خلفوا فيه ديارهم ونساءهم وأولادهم، لا ينبغي أن يفكروا فيها، لأنهم اذا هزموا اليوم، فلن تكون هنلك مدينة..

وسرت كلمات البراء مثل.. مثل ماذا..؟

ان أي تشبيه سيكون ظلما لحقيقة أثرها وتأثيرها..

فلنقل: سرت كلمات البراء وكفى..

ومضى وقت وجيز عادت بعده المعركة الى نهجها الأول..

المسلمون يتقدمون، يسبقهم نصر مؤزر.

والمشركون يتسلقطون في حضيض هزيمة منكرة..

والبراء هناك مع اخوانه يسيرون لراية محمد صلى الله عليه وسلم الى موعدها العظيم..

واندفع المشركون الى وراء هاربين، واحتموا بحديقة كبيرة دخلوها ولاذوا بها..

وبردت المعركة في دماء المسلمين، وبدا أن في الامان تغير مصيرها بهذه الحيلة التي لجأ اليها أتباع مسيلمة وجيشه..

وهنا علا البراء ربوة عالية وصاح:

" يا معشر المسلمين..

احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"..

ألم أقل لكم انه لا يبحث عن النصر بل عن الشهادة..!!

ولقد تصوّر في هذه الخطة خير ختام لحياته، وخير صورة لمماته..!!

فهو حين يقذف به الى الحديقة، يفتح المسلمين بابها، وفي نفس الوقت كذلك تكون أبواب الجنة تأخذ زينتها وتتفتح لاستقبال عرس جديد ومجيد..!!

ولم ينتظر البراء أن يحمله قومه ويقذفوا به، فاعتلى هو الجدار، وألقى بنفسه داخل الحديقة وفتح الباب، واقتحمته جيوش الإسلام ..

ولكن حلم البراء لم يتحقق، فلا سيوف المشركين اغتالته، ولا هو لقي المصرع الذي كان يمني به نفسه..

وصدق أبو بكر رضي الله عنه:

" احرص على الموت..

توهب لك الحياة"..!!

صحيح أن جسد البطل تلقى يومئذ من سيوف المشركين بضعا وثمانين ضربة، أثخنته ببضع وثمانين جراحة، حتى لقد ظل بعد المعركة شهرا كاملا، يشرف خالد بن الوليد نفسه على تمريضه..

ولكن كل هذا الذي أصابه كان دون غايته وما يتمنى..

بيد أن ذلك لا يحمل البراء على اليأس.. فغدا تجيء معركة، ومعركة، ومعركة..

ولقد تنبأ له رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه مستجاب الدعوة..

فليس عليه الا أن يدعو ربه دائما أن يرزقه الشهادة، ثم عليه ألا يعجل، فلكل أجل كتاب..!!

ويبرأ البراء من جراحات يوم اليمامة..

وينطلق مع جيوش الإسلام التي ذهبت تشيّع قوى الظلام الى مصارعها.. هناك حيث تقوم امبراطوريتان خرعتان فانيتان، الروم والفرس، تحتلان بجيوشهما الباغية بلاد الله، وتستعبدان عباده..

ويضرب البراء بسيفه، ومكان كل ضربة يقوم جدار شاهق في بناء العالم الجديد الذي ينمو تحت راية الإسلام نموّا سريعا كالنهار المشرق..

وفي احدى حروب العراق لجأ الفرس في قتالهم الى كل وحشية دنيئة يستطيعونها..

فاستعملوا كلاليب مثبتة في أطراف سلاسل محمأة بالنار، يلقونها من حصونهم، فتخطف من تناله من المسلمين الذين لا يستطيعون منها فكاكا..

وكان البراء وأخوه العظيم أنس بن مالك قد وكل اليهما مع جماعة من المسلمين أمر واحد من تلك الحصون..

ولكن أحد هذه الكلاليب سقط فجأة، فتعلق بأنس ولم يستطع أنس أن السلسلة ليخلص نفسه، اذ كانت تتوهج لهبا ونارا..

وأبصرالبراء المشهد لإاسرع نحو أخيه الذي كانت السلسلة المحمأة تصعد به على سطح جدار الحصن.. وقبض على السلسلة بيديه وراح يعالجها في بأس شديد حتى قصمها وقطعها.. ونجا أنس وألقى البراء ومن معه نظرة على كفيه فلم يجدوهما مكانهما..!!

لقد ذهب كل ما فيهما من لحم، وبقي هيكلهما العظمي مسمّرا محترقا..!!

وقضى البطل فترة أخرى في علاج بطيء حتى بريء..

أما آن لعاشق الموت أن يبلغ غايته..؟؟

بلى آن..!!

وهاهي ذي موقعة تستر تجيء ليلاقي المسلمون فيها جيوش فارس

ولتكون لـ البراء عيدا أي عيد..

احتشد أهل الأهواز، والفرس في جيش كثيف ليناجزوا المسلمين..

وكتب امير المؤمنين عمر بن الخطاب الى سعد بن أبي وقاص بالكوفة ليرسل الى الأهواز جيشا..

وكتب الى أبي موسى الأشعري بالبصرة ليرسل الى الأهواز جيشا، قائلا له في رسالته:

" اجعل امير الجند سهيل بن عديّ..

وليكن معه البراء بن مالك"..

والتقى القادمون من الكوفة بالقادمين من البصرة ليواجهوا جيش الأهواز وجيش الفرس في معركة ضارية..

كان الاخوان العظيمان بين الحنود المؤمنين.. أنس بن مالك، والبراء بن مالك..

وبدأت الحرب بالمبارزة، فصرع البراء وحده مائة مبارز من الفرس..

ثم التحمت الجيوش، وراح القتلى يتساقطون من الفرقين كليهما في كثرة كاثرة..

واقترب بعض الصحابة من البراء، والقتال دائر، ونادوه قائلين:

" أتذكر يا براء قول الرسول عنك: ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبرّه، منهم البراء بن مالك..؟

يا براء أقسم على ربك، ليهزمهم وينصرنا"..

ورفع البراء ذراعيه الى السماء ضارعا داعيا:

" اللهم امنحنا أكنافهم..

اللهم اهزمهم..

وانصرنا عليهم..

وألحقني اليوم بنبيّك"..

ألقى على جبين أخيه أنس الذي كان يقاتل قريب امنه.. نظرة طويلة، كأنه يودّعه..

وانقذف المسلمون في استبسال لم تألفه الدنيا من سواهم..

ونصروا نصرا مبينا.

ووسط شهداء المعركة، كان هناك البراء تعلو وجهه ابتسامة هانئة كضوء الفجر.. وتقبض يمناه على حثيّة من تراب مضمّخة بدمه الطهور..

لقد بلغ المسافر داره..

وأنهى مع اخوانه الشهداء رحلة عمر جليل وعظيم، ونودوا:

{أن تلكم الجنة، أورثتموها بما كنتم تعملون}

السلام عليكم ورحمة الله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   السبت 15 يناير 2011, 17:57

السلام عليكم



في العام الواحد والثلاثين من عمره، أسلم..

وفي السابع والثلاثين مات شهيدا..

وبين يوم اسلامه، ويوم وفاته، قضى سعد بن معاذ رضي الله عنه أياما شاهقة في خدمة الله ورسوله..

انظروا..

أترون هذا الرجل الوسيم، الجليل، الفارع الطول، المشرق الوجه، الجسيم، الجزل.؟؟

انه هو..

يقطع الأرض وثبا وركضا الى دار أسعد بن زرارة بيرى هذا الرجل الوافد من مكة مصعب بن عمير الذي بعث به محمدا عليه الصلاة والسلام الى المدينة يبشّر فيها بالتوحيد والإسلام ..

أجل.. هو ذاهب الى هناك ليدفع بهذا الغريب خارج حدود المدينة، حاملا معه دينه.. وتاركا للمدينة دينها..!!

ولكنه لا يكاد يقترب من مجلس مصعب في دار ابن خالته أسيد بن زرارة، حتى ينتعش فؤاده بنسمات حلوة هبّت عليه هبوب العافية..

ولا يكاد يبلغ الجالسين، ويأخذ مكانه بينهم، ملقيا سمعه لكلمات مصعب حتى تكون هداية الله قد أضاءت نفسه وروحه..

وفي احدى مفاجآت القدر الباهرة المذهلة، يلقي زعيم الأنصار حبته بعيدا، ويبسط يمينه مبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم..

وباسلام سعد بن معاذ تشرق في المدينة شمس جديدة، ستدور في فلكها قلوب كثيرة تسلم مع حمد لله رب العالمين..!!

أسلم سعد.. وحمل تبعات اسلامه في بطولة وعظمة..

وعندما هاجر رسول الله وصحبه الى المدينة كانت دور بني عبد الأشهل قبيلة سعد مفتحة الأبواب للمهاجرين، وكانت أموالهم كلها تحت تصرّفهم في غير منّ، ولا أذى.. ولا حساب..!!

وتجيء غزوة بدر..

ويجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من المهاجرين والأنصار، ليشاورهم في الأمر.

وييمّم وجهه الكريم شطر الأنصار ويقول:

" أشيروا عليّ أيها الناس.."

ونهض سعد بن معاذ قائما كالعلم.. يقول:

" يا رسول الله..

لقد آمنا بك، وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا..

فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك..

ووالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا..

انا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء..

ولعلّ الله يريك ما تقرّ به عينك...

فسر بنا على بركة الله"...

أهلت كلمات سعد كالبشريات، وتألق وجه الرسول رضا وسعادة وغبطة، فقال للمسلمين:

" سيروا وأبشروا، فان الله وعدني احدى الطائفتين.. والله لكأني أنظر الى مصرع القوم"..

وفي غزوة أحد، وعندما تشتت المسلمون تحت وقع الباغتة الداهمة التي فاجأهم بها جيش المشركين، لم تكن العين لتخطئ مكان سعد بن معاذ..

لقد سمّر قدميه في الأرض بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، يذود عنه ويدافع في استبسال هو له أهل وبه جدير..

وجاءت غزوة الخندق، لتتجلى رجولة سعد وبطولته تجليا باهرا ومجيدا..

وغزوة الخندق هذه، آية بينة على المكايدة المريرة الغادرة التي كان المسلمون يطاردون بها في غير هوادة، من خصوم لا يعرفون في خصومتهم عدلا ولا ذمّة..

فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يحيون بالمدينة في سلام يعبدون ربهم، ويتواصون بطاعته، ويرجون أن تكف قريش عن اغارتها وحروبها، اذا فريق من زعماء اليهود يخرجون خلسة الى مكة محرّضين قريشا على رسول الله، وباذلين لها الوعود والعهود أن يقفوا بجانب القرشيين اذا هم خرجوا لقتال المسلمين..

واتفقوا مع المشركين فعلا، ووضعوا معا خطة القتال والغزو..

وفي طريقهم وهم راجعون الى المدينة حرّضوا قبيلة من أكبر قبائل العرب، هي قبيلة غطفان واتفقوا مع زعمائها على الانضمام لجيش قريش..

وضعت خطة الحرب، ووظعت أدوارها.. فقريش وغطفان يهاجمان المدينة بجيش عرمرم كبير..

واليهود يقومون بدور تخريبي داخل المدينة وحولها في الوقت الذي يباغتها فيه الجيش المهاجم..

ولما علم النبي عليه الصلاة والسلام بالمؤامرة الغادرة راح يعدّ لها العدّة.. فأمر بحفر خندق حول المدينة ليعوق زحف المهاجمين.

وأرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة الى كعب بن أسد زعيم يهود بني قريظة، ليتبيّنا حقيقة موقف هؤلاء من الحرب المرتقبة، وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يهود بني قريظة عهود ومواثيق..

فلما التقى مبعوثا الرسول بزعيم بني قريظة فوجئا يقول لكم:

" ليس بيننا وبين محمد عهد ولا عقد"..!!

عز على الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتعرض أهل المدينة لهذا الغزو المدمدم والحصار المنهك، ففكر في أن يعزل غطفان عن قريش، فينقض الجيش المهاجم بنصف عدده، ونصف قوته، وراح بالفعل يفاوض زعماء غطفان على أن ينفضوا أيديهم عن هذه الحرب، ولهم لقاء ذلك ثلث ثمار المدينة، ورضي قادة غطفان، ولم يبق الا أن يسجل الاتفاق في وثيقة ممهورة..

وعند هذا المدى من المحاولة، وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ لم ير من حقه أن ينفرد بالأمر، فدعا اليه أصحابه رضي الله عنهم ليشاورهم..

واهتم عليه الصلاة والسلام اهتماما خاصا برأي سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة.. فهما زعيما المدينة، وهما بهذا أصحاب حق أول في مناقشة هذا الأمر، واختيار موقف تجاهه..

قصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما حديث التفاوض الذي جرى بينه وبين زعماء غطفان.. وأنبأهما أنه انما لجأ الى هذه المحاولة، رغبة منه في أن يبعد عن المدينة وأهلها هذا الهجوم الخطير، والحصار الرهيب..

وتقدم السعدان الى رسول الله بهذا السؤال:

" يا رسول الله..

أهذا رأي تختاره، أم وحي أمرك الله به"؟؟

قال الرسول:

" بل أمر أختاره لكم..

والله ما أصنع ذلك الا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم الى أمر ما"..

وأحسّ سعد بن معاذ أن أقدارهم كرجال ومؤمنين تواجه امتحانا، أي امتحان..

هنالك قال:

" يا رسول الله..

قد كنا وهؤلاء على الشرك وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا من مدينتنا تمرة، الا قرى، أي كرما وضيفة، أ، بيعا..

أفحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا..؟؟

والله ما لنا بهذا من حاجة..

ووالله لا نعطيهم الا السيف.. حتى يحكم الله بيننا وبينهم"..!!

وعلى الفور عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رأيه، وأنبأ زعماء غطفان أن أصحابه رفضوا مشروع المفاوضة، وأنه أقرّ رأيهم والتزم به..

وبعد أيام شهدت المدينة حصارا رهيبا..

والحق أنه حصار اختارته هي لنفسها أكثر مما كان مفروضا عليها، وذلك بسبب الخندق الذي حفر حولها ليكون جنّة لها ووقاية..

ولبس المسلمون لباس الحرب.

وخرج سعد بن معاذ حاملا سيفه ورمحه وهو ينشد ويقول:

لبث قليلا يشهد الهيجا الجمل ما أجمل الموت اذا حان الأجل

وفي احدى الجولات تلقت ذراع سعد سهما وبيلا، قذفه به أحد المشركين..

وتفجّر الدم من وريده وأسعف سريعا اسعافا مؤقتا يرقأ به دمه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يحمل الى المسجد، وأن تنصب له به خيمة حتى يكون على قرب منه دائما أثناء تمريضه..

وحمل المسلمون فتاهم العظيم الى مكانه في مسجد الرسول..

ورفع سعد بصره الى السماء وقال:

" اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها... فانه لا قوم أحب اليّ أن أجاهدهم من قوم آذوا رسولك، وكذبوه، وأخرجوه..

وان كنت قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعل ما أصابني اليوم طريقا للشهادة..

ولا تمتني حتى تقرّ عيني من بني قريظة"..!

لك الله يا سعد بن معاذ..!

فمن ذا الذي يستطيع أن يقول مثل هذا القول، في مثل هذا الموقف سواك..؟؟

ولقد استجاب الله دعاءه..

فكانت اصابته هذه طريقه الى الشهادة، اذ لقي ربه بعد شهر، متأثرا بجراحه..

ولكنه لم يمت حتى شفي صدرا من بني قريظة..

ذلك أنه بعد أن يئست قريش من اقتحام المدينة، ودبّ في صفوف جيشها الهلع، حمل الجميع متاعهم وسلاحهم، وعادوا مخذولين الى مكة..

ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ترك بني قريظة، يفرضون على المدينة غدرهم كما شاؤوا، أمر لم يعد من حقه أن يتسامح تجاهه..

هنالك أمر أصحابه بالسير الى بني قريظة.

وهناك حاصروهم خمسة وعشرين يوما..

ولما رأى هؤلاء ألا منجى لهم من المسلمين، استسلموا، وتقدموا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجاء أجابهم اليه، وهو أن يحكم فيهم سعد بن معاذ.. وكان سعد حليفهم في الجاهلية..

أرسل النبي صلى الله عليه وسلم من أصحابه من جاؤوا بسعد بن معاذ

من مخيمه الذي كان يمرّض فيه بالمسجد..

جاء محمولا على دابة، وقد نال منه الاعياء والمرض..

وقال له الرسول:

" يا سعد احكم في بني قريظة".

وراح سعد يستعيد محاولات الغدر التي كان آخرها غزوة الخندق والتي كادت لبمدينة تهلك فيها بأهلها..

وقال سعد:

" اني أرى أن يقتل مقاتلوهم..

وتسبى ذراريهم..

وتقسّم أموالهم.."

وهكذا لم يمت سعد حتى شفي صدره من بني قريظة..

كان جرح سعد يزداد خطرا كل يوم، بل كل ساعة..

وذات يوم ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم لعيادته، فألفاه يعيش في لحظات الوداع فأخذ عليه الصلاة والسلام رأسه ووضعه في حجره، وابتهل الى الله قائلا:

" اللهم ان سعدا قد جاهد في سبيلك، وصدّق رسولك وقضى الذي عليه، فتقبّل روحه بخير ما تقبّلت به روحا"..!

وهطلت كلمات النبي صلى الله عليه وسلم على الروح المودّعة بردا وسلاما..

فحاول في جهد، وفتح عينيه راجيا أن يكون وجه رسول الله آخر ما تبصرانه في الحياة وقال:

" السلام عليك يا رسول الله..

أما اني لأشهد أنك رسول الله"..

وتملى وجه النبي وجه سعد آن ذاك وقال:

" هنيئا لك يا أبا عمرو".

يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه:

" كنت ممن حفروا لسعد قبره..

وكنا كلما حفرنا طبقة من تراب، شممنا ريح المسك.. حتى انتهينا الى اللحد"..

وكان مصاب المسلمين في سعد عظيما..

ولكن عزاءهم كان جليلا، حين سمعوا رسولهم الكريم يقول:

" لقد اهتز عرش الرحمن لموت يعد بن معاذ"..

السلام عليكم ودمتم في رعاية الله

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
wald alment
عضو فضي
عضو فضي
avatar

تاريخ التسجيل : 24/02/2010
عدد المساهمات : 373
نقاط : 14653

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   الأحد 16 يناير 2011, 14:10

واصل من غير ما تفاصل اخي شرتات نتابع الحلقات في صمت
تحية لك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
شرتـات
عضو برونزي
عضو برونزي
avatar

تاريخ التسجيل : 25/01/2010
عدد المساهمات : 261
نقاط : 14727

مُساهمةموضوع: رد: رجال حول الرسول   السبت 22 يناير 2011, 16:40

السلام عليكم
شكرا ولد منتنا على الرد المعبر

سنواصل الحلقات كما قال ولد المنت؛ ونكمل ما تركته بنت الشاطئ نتمنى لها السلامة




من هذا الذي أمسك الرسول بيمينه وقال عنه:

" إن لكل أمة أمينا وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح"..؟

من هذا الذي أرسله النبي في غزوة ذات السلاسل مددا اعمرو بن العاص، وجعله أميرا على جيش فيه أبو بكر وعمر..؟؟

من هذا الصحابي الذي كان أول من لقب بأمير الأمراء..؟؟

من هذا الطويل القامة النحيف الجسم، المعروق الوجه، الخفيف اللحية، الأثرم، ساقط الثنيتين..؟؟

أجل من هذا القوي الأمين الذي قال عنه عمر بن الخطاب وهو يجود بأنفاسه:

" لو كان أبو عبيدة بن الجرّاح حيا لاستخلفته فان سالني ربي عنه قلت: استخافت أمين الله، وأمين رسوله"..؟؟

انه أبو عبيدة عامر بن عبد الله الجرّاح..

أسلم على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه في الأيام الأولى للاسلام، قبل أن يدخل الرسول صلى الله عليه وسلم دار الرقم، وهاجر الى الحبشة في الهجرة الثانية، ثم عاد منها ليقف الى جوار رسوله في بدر، وأحد، وبقيّة المشاهد جميعها، ثم ليواصل سيره القوي الأمين بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في صحبة خليفته أبي بكر، ثم في صحبة أمير المؤمنين عمر، نابذا الدنيا وراء ظهره مستقبلا تبعات دينه في زهد، وتقوى، وصمود وأمانة.

عندما بايع أبو عبيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ينفق حياته في سبيل الله، كان مدركا تمام الادراك ما تعنيه هذه الكلمات الثلاث، في سبيل الله وكان على أتم استعداد لأن يعطي هذا السبيل كل ما يتطلبه من بذل وتضحية..

ومنذ بسط يمينه مبايعا رسوله، وهو لا يرى في نفسه، وفي ايّامه وفي حياته كلها سوى أمانة استودعها الله اياها لينفقها في سبيله وفي مرضاته، فلا يجري وراء حظ من حظوظ نفسه.. ولا تصرفه عن سبيل الله رغبة ولا رهبة..

ولما وفّى أبو عبيدة بالعهد الذي وفى به بقية الأصحاب، رأى الرسول في مسلك ضميره، ومسلك حياته ما جعله أهلا لهذا اللقب الكريم الذي أفاءه عليه،وأهداه اليه، فقال عليه الصلاة والسلام:

" أمين هذه الأمة، أبو عبيدة بن الجرّاح".

ان أمانة أبي عبيدة على مسؤولياته، لهي أبرز خصاله.. فففي غزوة أحد أحسّ من سير المعركة حرص المشركين، لا على احراز النصر في الحرب، بل قبل ذلك ودون ذلك، على اغتيال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاتفق مع نفسه على أن يظل مكانه في المعركة قريبا من مكان الرسول..

ومضى يضرب بسيفه الأمين مثله، في جيش الوثنية الذي جاء باغيا وعاديا يريد أن يطفئ نور الله..

وكلما استدرجته ضرورات القتال وظروف المعركة بعيدا عن رسول الله صلى اله عليه وسلم قاتل وعيناه لا تسيران في اتجاه ضرباته.. بل هما متجهتان دوما الى حيث يقف الرسول صلى الله عليه وسلم ويقاتل، ترقبانه في حرص وقلق..

وكلما تراءى لأبي عبيدة خطر يقترب من النبي صلى الله عليه وسلم، انخلع من موقفه البعيد وقطع الأرض وثبا حيث يدحض أعداء الله ويردّهم على أعقابهم قبل أن ينالوا من الرسول منالا..!!

وفي احدى جولاته تلك، وقد بلغ القتال ذروة ضراوته أحاط بأبي عبيدة طائفة من المشركين، وكانت عيناه كعادتهما تحدّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله، وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه اذ رأى سهما ينطلق من يد مشرك فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين يحيطون به وكأنه مائة سيف، حتى فرّقهم عنه، وطار صواب رسول الله فرأى الدم الزكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه وهو يقول:

" كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيّهم، وهو يدعهم الى ربهم"..؟

ورأى حلقتين من حلق المغفر الذي يضعه الرسول فوق رأسه قد دخانا في وجنتي النبي، فلم يطق صبرا.. واقترب يقبض بثناياه على حلقة منهما حتى نزعها من وجنة الرسول، فسقطت ثنيّة، ثم نزع الحلقة الأخرى، فسقطت ثنيّة الثانية..

وما أجمل أن نترك الحديث لأبي بكر الصدسق يصف لنا هذا المشهد بكلماته:

" لما كان يوم أحد، ورمي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخلت في وجنته حلقتان من المغفر، أقبلت أسعى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانسان قد أقبل من قبل المشرق يطير طيرانا، فقلت: اللهم اجعله طاعة، حتى اذا توافينا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، واذا هو أبو عبيدة بن الجرّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم..

فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيّة احدى حلقتي المغفر، فنزعها، وسقط على الأرض وسقطت ثنيته معه..

ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنية أخرى فسقطت.. فكان أبو عبيدة في الناس أثرم."!!

وأيام اتسعت مسؤوليات الصحابة وعظمت، كان أبو عبيدة في مستواها دوما بصدقه وبأمانته..

فاذا أرسله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الخبط أميرا على ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا من المقاتلين وليس معهم زاد سوى جراب تمر.. والمهمة صعبة، والسفر بعيد، استقبل ابو عبيدة واجبه في تفان وغبطة، وراح هو وجنوده يقطعون الأرض، وزاد كل واحد منهم طوال اليوم حفنة تملا، حتى اذا أوشك التمر أن ينتهي، يهبط نصيب كل واحد الى تمرة في اليوم.. حتى اذا فرغ التمر جميعا راحوا يتصيّدون الخبط، أي ورق الشجر بقسيّهم، فيسحقونه ويشربون عليه الامء.. ومن اجل هذا سميت هذه الغزوة بغزوة الخبط..

لقد مضوا لا يبالون بجوع ولا حرمان، ولا يعنيهم الا أن ينجزوا مع أميرهم القوي الأمين المهمة الجليلة التي اختارهم رسول الله لها..!!

لقد أحب الرسول عليه الصلاة والسلام أمين الأمة أبا عبيدة كثيرا.. وآثره كثيرا...

ويوم جاء وفد نجلاان من اليمن مسلمين، وسألوه أن يبعث معهم من يعلمهم القرآن والسنة والإسلام ، قال لهم رسول الله:

" لأبعثن معكم رجلا أمينا، حق أمين، حق أمين.. حق أمين"..!!

وسمع الصحابة هذا الثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتمنى كل منهم لو يكون هو الذي يقع اختيار الرسول عليه، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظه ونصيبه..

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

" ما أحببت الامارة قط، حبّي اياها يومئذ، رجاء أن أكون صاحبها، فرحت الى الظهر مهجّرا، فلما صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، سلم، ثم نظر عن يمينه، وعن يساره، فجعلت أتطاول له ليراني..

فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجرّاح، فدعاه، فقال: أخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه.. فذهب بها أبا عبيدة؟..!!

ان هذه الواقعة لا تعني طبعا أن أبا عبيدة كان وحده دون بقية الأصحاب موضع ثقة الرسول وتقديره..

انما تعني أنه كان واحدا من الذين ظفروا بهذه الثقة الغالية، وهذا التقدير الكريم..

ثم كان الواحد أو الوحيد الذي تسمح ظروف العمل والدعوة يومئذ بغيابه عن المدينة، وخروجه في تلك المهمة التي تهيئه مزاياه لانجازها..

وكما عاش أبو عبيدة مع الرسول صلى الله عليه وسلم أمينا، عاش بعد وفاة الرسول أمينا.. بحمل مسؤولياته في أمانة تكفي أهل الأرض لو اغترفوا منها جميعا..

ولقد سار تحت راية الإسلام أنذى سارت، جنديّا، كأنه بفضله وباقدامه الأمير.. وأميرا، كأن بتواضعه وباخلاصه واحدا من عامة المقاتلين..

وعندما كان خالد بن الوليد.. يقود جيوش الإسلام في احدى المعارك الفاصلة الكبرى.. واستهل أمير المؤمنين عمر عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد..

لم يكد أبا عبيدة يستقبل مبعوث عمر بهذا الأمر الجديد، حتى استكتمه الخبر، وكتمه هو في نفسه طاويا عليه صدر زاهد، فطن، أمين.. حتى أتمّ القائد خالد فتحه العظيم..

وآنئذ، تقدّم اليه في أدب جليل بكتاب أمير المؤمنين!!

ويسأله خالد:

" يرحمك الله يا أبا عبيدة.. ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب"..؟؟

فيجيبه أمين الأمة:

" اني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله اخوة".!!!

ويصبح أبا عبيدة أمير الأمراء في الشام، ويصير تحت امرته أكثر جيوش الإسلام طولا وعرضا.. عتادا وعددا..

فما كنت تحسبه حين تراه الا واحدا من المقاتلين.. وفردا عاديا من المسلمين..

وحين ترامى الى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير الأمراء هذا.. جمعهم وقام فيهم خطيبا..

فانظروا ماذا قال للذين رآهم يفتنون بقوته، وعظمته، وأ/انته..

" يا أيها الناس..

اني مسلم من قريش..

وما منكم من أحد، أحمر، ولا أسود، يفضلني بتقوى الا وددت أني في اهابه"..ّّ

حيّاك الله يا أبا عبيدة..

وحيّا الله دينا أنجبك ورسولا علمك..

مسلم من قريش، لا أقل ولا أكثر.

الدين: الإسلام ..

والقبيلة: قريش.

هذه لا غير هويته..

أما هو كأمير الأمراء، وقائد لأكثر جيوش الإسلام عددا، وأشدّها بأسا، وأعظمها فوزا..

أما هو كحاكم لبلاد الشام،أمره مطاع ومشيئته نافذة..

كل ذلك ومثله معه، لا ينال من انتباهه لفتة، وليس له في تقديره حساب.. أي حساب..!!

ويزور أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشام، ويسأل مستقبليه:

أين أخي..؟

فيقولون من..؟

فيجيبهم: أبو عبيدة بن الجراح.

ويأتي أبو عبيدة، فيعانقه أمير المؤمنين عمر.. ثم يصحبه الى داره، فلا يجد فيها من الأثاث شيئا.. لا يجد الا سيفه، وترسه ورحله..

ويسأله عمر وهو يبتسم:

" ألا اتخذت لنفسك مثلما يصنع الناس"..؟

فيجيبه أبو عبيدة:

" يا أمير المؤمنين، هذا يبلّغني المقيل"..!!

وذات يوم، وأمير المؤمنين عمر الفاروق يعالج في المدينة شؤن عالمه المسلم الواسع، جاءه الناعي، أن قد مات أبو عبيدة..

وأسبل الفاروق جفنيه على عينين غصّتا بالدموع..

وغاض الدمع، ففتح عينيه في استسلام..

ورحّم على صاحبه، واستعاد ذكرياته معه رضي الله عنه في حنان صابر..

وأعاد مقالته عنه:

" لو كنت متمنيّا، ما تمنيّت الا بيتا مملوءا برجال من أمثال أبي عبيدة"..

ومات أمين الأمة فوق الأرض التي طهرها من وثنية الفرس، واضطهاد الرومان..

زهناك اليوم تحت ثرى الأردن يثوي رفات نبيل، كان مستقرا لروح خير، ونفس مطمئنة..

وسواء عليه، وعليك، أن يكون قبره اليوم معروف أو غير معروف..

فانك اذا أردت أن تبلغه لن تكون بحاجة الى من يقودك اليه..

ذلك أن عبير رفاته، سيدلك عليه..!!
سلام عليكم ورحمة الله



عدل سابقا من قبل شرتـات في الجمعة 18 مارس 2011, 16:12 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
رجال حول الرسول
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 2 من اصل 3انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
plage blanche :: منتدى الدين الاسلامي-
انتقل الى: